عليه وسلم ، وأَنا في نَخْلٍ لي فقال : مَن غَرَسَه أَمُسْلِمٌ أَم كافرٌ ؟ قلت : لا بَلْ مُسْلِمٌ ، فقال : ما من مُسْلِمٍ يَغْرِس غَرْساً أَو يزرَع زرعاً فيأْكلُ منه إِنسانٌ أَو دابَةٌ أَو طائرٌ أَو سَبُعٌ إِلا كانت له صدقةً .
وأَعطاه المالَ عَفْواً بغير مسألةٍ ؛ قال الشاعر :
خُذِي العَفْوَ مني تَسْتَديمي مَوَدّتي ، * ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتي حين أَغضَبُ
وأَنشدَ ابن بري :
فتَمْلأُ الهَجْمَ عَفْواً ، وهْي وادِعَة ، * حتى تكادَ شِفاه الهَجْمِ تَنْثَلِمُ
وقال حسان بن ثابت :
خُذْ ما أَتى منهمُ عَفْواً ، فإن مَنَعُوا ، * فلا يَكُنْ هَمَّكَ الشيءُ الذي مَنَعُوا
قال الأَزهري : والمُعْفِي الذي يَصْحَبُكَ ولا يَتَعَرَّضُ لمَعْروفِك ، تقولُ : اصْطَحَبْنَا وكلُّنا مُعْفٍ ؛ وقال ابن مقبل :
فإنَّكَ لا تَبْلُو امْرَأً دونَ صُحْبةٍ ، وحتى تَعيشا مُعْفِيَيْنِ وتَجْهَدا
وعَفْوُ المالِ : ما يُفْضُلُ عن النَّفَقة .
وقوله تعالى : ويَسْأَلونك ماذا يُنُفِقون قُلِ العَغْوَ ؛ قال أَبو إسحق : العَفْوُ الكثرة والفَضْلُ ، فأُمِرُوا أَن يُنُفِقوا الفَضْل إلى أَن فُرِضَت الزكاةُ .
وقوله تعالى : خُذِ العَفْوَ ؛ قيل : العَفْو الفَضْلُ الذي يجيءُ بغيرِ كُلْفَةٍ ، والمعنى اقْبَلِ المَيْسُورَ مِنْ أَخْلاقِ الناسِ ولا تَسْتَقْصِ عليهم فيَسْتَقْصِيَ الله عليك مع ما فيه من العَداوة والبَغْضاءِ .
وفي حديث ابن الزبير : أَمَرَ الله نَبيَّه أَن يأَخُذ العَفْوَ من أَخْلاقِ الناسِ ؛ قال : هو السَّهْل المُيَسَّر ، أَي أَمرَه أَن يَحْتَمِل أَخْلاقَهُم ويَقْبَلَ منها ما سَهُل وتَيَسَّر ولا يستَقْصِيَ عليهم .
وقال الفراء في قوله تعالى : يسأَلونك ماذا يُنْفِقون قل العَفْو ؛ قال : وجه الكلام فيه النصبُ ، يريدُ قل يُنْفِقُون العَفْوَ ، وهو فضلُ المال ؛ وقال أَبو العباس : مَنْ رَفَع أَراد الذي يُنْفِقون العَفْوُ ، قال : وإنما اختار الفراء النصبَ لأَن ماذا عندنا حَرْفٌ واحد أَكثرُ في الكلام ، فكأنه قال : ما يُنْفِقُون ، فلذلك اخْتِيرَ النَّصبُ ، قال : ومَنْ جَعلَ ذا بمَعْنى الذي رَفَعَ ، وقد يجوز أن يكونَ ماذا حرفاً ، ويُرْفَع بالائتناف ؛ وقال الزجاج : نَزَلَت هذه الآية قبلَ فرض الزكاة فأُمروا أَن يُنْفِقوا الفَضْلَ إلى أَن فُرضَت الزكاةُ ، فكان أَهلُ المَكاسِب يأْخذُ الرجلُ ما يُحْسِبه في كل يوم أَي ما يَكْفِيه ويَتَصَدَّقُ بباقيِه ، ويأخذُ أَهلُ الذَّهَب والفِضَّة ما يَكْفِيهم في عامِهِمْ وينفِقُون باقيَه ، هذا قد روي في التفسير ، والذي عليه الإِجماع أَنَّ الزَّكاةَ في سائرِ الأَشياء قد بُيِّنَ ما يَجْبُ فيها ، وقيل : العَفْوُ ما أَتَى بغَيرِ مسألةٍ .
والعافي : ما أَتى على ذلك من غير مسأَلةٍ أَيضاً ؛ قال :
يُغْنِيكَ عافِيه وعِيدَ النَّحْزِ
النَّحْزُ : الكَدُّ والنَّخْس ، يقول : ما جاءَكَ منه عَفْواً أَغْناكَ عن غيره .
وأَدْرَكَ الأَمْرَ عَفْواً صَفْواً أَي في سُهُولة وسَراحٍ .
ويقال : خُذْ من مالِه ما عَفا وصَفا أَي ما فَضَل ولم يَشُقَّ عليه .
وابن الأَعرابي : عَفا يَعْفُو إذا أَعطى ، وعَفَا يَعْفُو إذا تَرَكَ حَقّاً ، وأَعْفَى إذا أَنْفَقَ العَفْوَ من ماله ، وهو الفاضِلُ عن نَفَقَتِه .
وعَفا القومُ : كَثُرُوا .
وفي التنزيل : حتى عَفَوْا ؛ أَي كَثُرُوا .
وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يَعْفُو فهو عافٍ : كثُرَ وطالَ .
وفي الحديث : أَنه صلى الله عليه وسلم ، أَمَرَ بإعْفاء اللِّحَى ؛ هو أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر ولا يُقَصَّ
لسان العرب — صفحة 75
مساهمون: ابن منظور
ص٧٥