أَي سَعَيَا في الصلحِ وجمعِ ما تَحَمَّلا من دِياتِ القَتْلى ، والعرب تُسَمِّي مآثر أَهلِ الشَّرَف والفضل مَساعِيَ ، واحدتُها مَسْعاةٌ لسَعْيِهِم فيها كأَنها مَكاسِبُهُم وأَعمالُهم التي أَعْنَوْا فيها أَنفسَهم ، والسَّعاةُ اسمٌ من ذلك .
ومن أَمثال العرب : شَغَلَتْ سَعاتي جَدْوايَ ؛ قال أَبو عُبَيْد : يُضْرَب هذا مثلاً للرجل تكونُ شِيمَتُه الكَرَم غير أَنه مُعْدِمٌ ، يقول : شَغَلَتْني أُمُوري عن الناسِ والإِفْضالِ عليهم .
والمَسْعاةُ : المَكْرُمَة والمَعْلاةُ في أَنْواعِ المَجْدِ والجُودِ .
سَاعاه فسَعاه يَسْعِيه أي كان أَسْعَى منه .
ومن أَمثالهم في هذا : بالساعِدِ تَبْطِشُ اليَدُ .
وقال الأَزهري : كأَنه أَرادَ ب السَّعاةِ الكَسْبَ على نفسه والتَّصَرُّفَ في معاشه ؛ ومنه قولُهم : المَرْءُ يَسْعى لِغارَيْه أَي يَكْسِبُ لبَطْنِه وفَرْجِه .
ويقال لِعامِل الصَّدَقاتِ ساعٍ ، وجَمْعُه سُعاةٌ .
وسَعى المُصَدِّقُ يَسْعَى سِعايةً إذا عَمِلَ على الصَّدقاتِ وأَخذها من أَغْنِيائِها وردّها في فُقَرائِها .
وسَعَى سِعايةً أَيضاً : مَشى لأَخْذِ الصدقة فقَبَضَها من المُصَدِّق .
والسُّعاةُ : وُلاةُ الصدقة ؛ قال عمرو بن العَدَّاء الكَلْبي :
سَعَى عِقالاً فلَمْ يَتْرُكْ لنا سَبَداً ، * فكَيْفَ لَوْ قد سَعَى عَمْروٌ عِقالَينِ ؟
وفي حديث وائل بن حُجْر : إنَّ وائِلاً يُسْتَسْعَى ويَتَرَفَّلُ على الأَقْوالِ أَي يُسْتَعْمَلُ على الصدقات ويَتَولَّى اسْتِخْراجَها من أَرْبابها ، وبه سُمِّيَ عامِلُ الزكاةِ الساعِيَ .
ومنه قوله : ولَتُدْرَكَنَّ القِلاصُ فلا يُسْعَى عليها أَي تُتْرَكُ زكاتُها فلا يكون لها ساعٍ .
وسَعَى عليها : كعَمِل عليها .
والساعي : الذي يقومُ بأَمرِ أَصحابه عند السُّلْطانِ ، والجمعُ السُّعاةُ .
قال : ويقال إنه ليَقوم أَهلَه أَي يقومُ بأَمرِهِم .
ويقال : فلان يَسْعَى على عِياله أَي يَتَصَرَّف لهم ، كما قال الشاعرْ :
أَسْعَى عَلى جُلِّ بَنِي مالِكٍ ، * كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنه
سَاعِي وسَعَى به سِعايَةً إلى الوَالي : وَشَى .
وفي حديث ابن عباس أَنَّه قال : السَّاعِي لغَيْرِ رِشْدَةٍ ؛ أَراد ب السَّاعِي الذي يَسْعَى بصاحبه إلى سُلطانه فيَمْحَلُ به ليُؤْذِيَه أَي أَنَّه ليسَ ثابتَ النَّسَبِ من أَبيه الذي يَنْتَمِي إليه ولا هُوَ وَلَدُ حَلالٍ .
وفي حديث كعب : السَّاعِي مُثَلِّثٌ ؛ تأْويلُه أَنه يُهْلِك ثلاثةَ نَفَرٍ بسِعايته : أَحَدُهم المَسْعِيُّ به ، والثاني السُّلْطانُ الذي سَعَى بصاحبه إليه حتى أَهْلَكَه ، والثالث هو السَّاعِي نفسه ، سُمِّيَ مُثَلِّثاً لإِهْلاكه ثلاثَةَ نَفَرٍ ، ومما يُحَقّق ذلك الخبرُ الثابت عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أَنه قال : لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ ، فالقَتَّاتُ والساعِي والماحِلُ واحدٌ .
واسْتَسْعَى العبْدَ : كَلَّفَه من العَمَل ما يُؤَدِّي به عن نَفْسه إذا أُعْتِقَ بَعضه لِيعْتِقَ به ما بَقِيَ ، والسِّعايَةُ ما كُلِّفَ من ذلِك .
وسَعَى المُكاتَبُ في عِتْقِ رَقَبَته سِعايَةً واسْتَسْعَيْت العَبْدَ في قِيمَته .
وفي حديث العِتْقِ : إذا أُعْتِقَ بعضُ العَبْدِ فإن لم يَكُنْ له مالٌ اسْتُسْعِيَ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه ؛ اسْتِسْعاءُ العَبْدِ إذا عَتَقَ بَعْضه ورَقَّ بعضه هو أَنْ يَسْعَى في فَكاكِ ما بَقي من رِقِّه فيَعْمَلَ ويكسِبَ ويَصْرِفَ ثَمَنه إلى مولاه ، فسُمِّي تصرُّفه في كَسْبه سِعايِةً ، وغيرَ مَشْقوق عليه أَي لا يكلِّفه فوق طاقَته ؛ وقيل : معناه اسْتُسْعِيَ العبدُ لسَيّده أَي يَسْتَخْدِمُه مالِكُ باقِيه بقَدْرِ ما فيه من الرِّقِّ ولا يُحَمِّلُه ما لا يَقْدِرُ عليه .
وقال الخطَّابي : قوله اسْتُسْعِيَ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه لا يُثْبِتُه أَكثر أَهل النَّقْل مُسْنَداً عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ،
لسان العرب — صفحة 386
مساهمون: ابن منظور
ص٣٨٦