إذا لم يستح صنع ما شاء ، لأَنه لا يكون له حياءٌ يحْجزُه عن المعاصي والفواحش ؛ قال ابن الأَثير : وله تأْويلان : أَحدهما ظاهر وهو المشهور إذا لم تَسْتَح من العَيْب ولم تخش العارَ بما تفعله فافعل ما تُحَدِّثُك به نفسُك من أَغراضها حسَناً كان أَو قبيحاً ، ولفظُه أَمرٌ ومعناه توبيخ وتهديد ، وفيه إشعار بأَنَّ الذي يردَع الإِنسانَ عن مُواقَعة السُّوء هو الحَياءُ ، فإذا انْخَلَعَ منه كان كالمأْمور بارتكاب كل ضلالة وتعاطي كل سيئة ، والثاني أَن يحمل الأَمر على بابه ، يقول : إذا كنت في فعلك آمناً أَن تَسْتَحيَ منه لجَريك فيه على سَنَن الصواب وليس من الأَفعال التي يُسْتَحَى منها فاصنع منها ما شئت .
ابن سيده : قوله ، صلى الله عليه وسلم ، إنَّ مما أَدرَك الناسُ من كلام النبوَّة إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شئت ( 1 ) .
أَي من لم يَسْتَحِ صَنَعَ ما شاء على جهة الذمِّ لتَرْكِ الحَياء ، وليس يأْمره بذلك ولكنه أَمرٌ بمعنى الخَبَر ، ومعنى الحديث أَنه يأْمُرُ بالحَياء ويَحُثُّ عليه ويَعِيبُ تَرْكَه .
ورجل حَيِيٌّ ، ذو حَياءٍ ، بوزن فَعِيلٍ ، والأُنثى بالهاء ، وامرأَة حَيِيَّة ، واسْتَحْيا الرجل واسْتَحْيَت المرأَة ؛ وقوله :
وإنِّي لأَسْتَحْيِي أَخي أَنْ أَرى له * عليَّ من الحَقِّ ، الذي لا يَرَى لِيَا
معناه : آنَفُ من ذلك .
الأَزهري : للعرب في هذا الحرف لغتان : يقال اسْتَحَى الرجل يَسْتَحي ، بياء واحدة ، واسْتَحْيا فلان يَسْتَحْيِي ، بياءَين ، والقرآن نزل بهذه اللغة الثانية في قوله عز وجل : إنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مثلاً .
وحَيِيتُ منه أَحْيا : استَحْيَيْت .
وتقول في الجمع : حَيُوا كما تقول خَشُوا .
قال سيبويه : ذهبت الياء لالتقاء الساكنين لأَن الواو ساكنة وحركة الياء قد زالت كما زالت في ضربوا إلى الضم ، ولم تحرّك الياء بالضم لثقله عليها فحذفت وضُمَّت الياء الباقية لأَجل الواو ؛ قال أَبو حُزابة الوليدُ بن حَنيفة :
وكنا حَسِبْناهم فَوارِسَ كَهْمَسٍ * حَيُوا بعدما ماتُوا ، من الدهْرِ ، أَعْصُرا
قال ابن بري : حَيِيتُ من بنات الثلاثة ، وقال بعضهم : حَيُّوا ، بالتشديد ، تركه عل ما كان عليه للإِدغام ؛ قال عبيدُ بنُ الأَبْرص :
عَيُّوا بأَمرِهِمُو ، كما * عَيَّتْ ببَيْضَتِها الحَمامَه
وقال غيره : اسْتَحْياه واسْتَحْيا منه بمعنًى من الحياء ، ويقال : اسْتَحَيْتُ ، بياء واحدة ، وأَصله اسْتَحْيَيْتُ فأَعَلُّوا الياء الأُولى وأَلقَوا حَرَكتها على الحاء فقالوا استَحَيْتُ ، كما قالوا اسْتنعت استثقالاً لَمَّا دَخَلَتْ عليها الزوائدُ ؛ قال سيبويه : حذفت الياء لالتقاء الساكنين لأَن الياء الأُولى تقلب أَلفاً لتحركها ، قال : وإنما فعلوا ذلك حيث كثر في كلامهم .
وقال المازنيّ : لم تحذف لالتقاء الساكنين لأَنها لو حذفت لذلك لردوها إذا قالوا هو يَسْتَحِي ، ولقالوا يَسْتَحْيي كما قالوا يَسْتَنِيعُ ؛ قال ابن بري : قول أَبي عثمان موافق لقول سيبويه ، والذي حكاه عن سيبويه ليس هو قوله ، وإنما هو قول الخليل لأَن الخليل يرى أَن استحيت أَصله استحييت ، فأُعل إعلال اسْتَنَعْت ، وأَصله اسْتَنْيَعْتُ ، وذلك بأَن تنقل حركة الفاء على ما قبلها وتقلب أَلفاً ثمتحذف لالتقاء الساكنين ، وأما سيبويه فيرى أَنها حذفت تخفيفاً لاجتماع الياءين لا لإِعلال موجب لحذفها ، كما حذفت السينَ من أَحْسَسْت حين قلتَ أَحَسْتُ ، ونقلتَ حركتها على ما قبلها
هامش
( 1 ) قوله [ من كلام النبوة إذا لم تستح الخ ] هكذا في الأصل .