وروي عن أَبي الهيثم أَنه يقول : التَّحِيَّةُ في كلام العرب ما يُحَيِّي بعضهم بعضاً إذا تَلاقَوْا ، قال : وتَحِيَّةُ الله التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني عباده إذا تَلاقَوْا ودَعا بعضهم لبعض بأَجْمَع الدعاء أَن يقولوا السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه .
قال الله عز وجل : تَحِيَّتُهُمْ يوْمَ يَلْقَوْنَه سَلامٌ .
وقال في تحيَّة الدنيا : وإذا حُيِّيتُم بتَحِيَّةٍ فحَيُّوا بأَحسَنَ منها أَو رُدُّوها ؛ وقيل في قوله :
قد نلته إلَّا التحيَّة
يريد : إلا السلامة من المَنِيَّة والآفات فإن أَحداً لا يسلم من الموت على طول البقاء ، فجعل معنى التحيات لله أَي السلام له من جميع الآفات التي تلحق العباد من العناء وسائر أَسباب الفناء ؛ قال الأَزهري : وهذا الذي قاله أَبو الهيثم حسن ودلائله واضحة ، غير أَن التحية وإن كانت في الأَصل سلاماً ، كما قال خالد ، فجائز أَن يُسَمَّى المُلك في الدنيا تحيةً كما قال الفراء وأبَو عمرو ، لأَن المَلِكَ يُحَيَّا بتَحِيَّةِ المُلْكِ المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم ، وكانت تحيَّةُ مُلُوك العَجَم نحواً من تحيَّة مُلوك العَرَعب ، كان يقال لِمَلِكهم : زِه هَزَارْ سَالْ ؛ المعنى : عِشْ سالماً أَلْفَ عام ، وجائز أَن يقال للبقاء تحية لأَنَّ من سَلِمَ من الآفات فهو باقٍ ، والباقي في صفة الله عز وجل من هذا لأَنه لا يموت أَبداً ، فمعنى ؛ حَيّاك الله أَي أَبقاك الله ، صحيحٌ ، من الحياة ، وهو البقاء .
يقال : أَحياه الله وحَيّاه بمعنى واحد ، قال : والعرب تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه أَو من سببه .
وسئل سَلَمة بنُ عاصمٍ عن حَيّاك الله فقال : هو بمنزلة أَحْياك الله أَي أَبقاك الله مثل كرَّم وأَكرم ، قال : وسئل أَبو عثمان المازني عن حَيَّاك الله فقال عَمَّرك الله .
وفي الحديث : أَن الملائكة قالت لآدم ، عليه السلام ، حَيَّاك الله وبَيَّاك ؛ معنى حَيَّاك الله أَبقاك من الحياة ، وقيل : هو من استقبال المُحَيّا ، وهو الوَجْه ، وقيل : ملَّكك وفَرَّحك ، وقيل : سلَّم عَليك ، وهو من التَّحِيَّة السلام ، والرجل مُحَيِّيٌ والمرأَة مُحَيِّيَة ، وكل اسم اجتمع فيه ثلاث ياءَات فيُنْظَر ، فإن كان غير مبنيٍّ على فِعْلٍ حذفت منه اللام نحو عُطَيٍّ في تصغير عَطاءٍ وفي تصغير أَحْوَى أَحَيٍّ ، وإن كان مبنيّاً على فِعْلٍ ثبتت نحو مُحَيِّي من حَيَّا يُحَيِّي .
وحَيَّا الخَمْسين : دنا منها ؛ عن ابن الأَعرابي .
والمُحَيّا : جماعة الوَجْه ، وقيل : حُرُّه ، وهو من الفرَس حيث انفرَقَ تحتَ الناصِية في أَعلى الجَبْهةِ وهناك دائرةُ المُحَيَّا .
والحياءُ : التوبَة والحِشْمَة ، وقد حَيِيَ منه حَياءً واستَحْيا واسْتَحَى ، حذفوا الياء الأَخيرة كراهية التقاء الياءَينِ ، والأَخيرتان تَتَعَدَّيانِ بحرف وبغير حرف ، يقولون : استَحْيا منك واستَحْياكَ ، واسْتَحَى منك واستحاك ؛ قال ابن بري : شاهد الحياء بمعنى الاستحياء قول جرير :
لولا الحَياءُ لَعَادني اسْتِعْبارُ ، * ولَزُرْتُ قَبرَكِ ، والحبيبُ يُزارُ
وروي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أَنه قال : الحَياءُ شُعْبةٌ من الإِيمان ؛ قال بعضهم : كيف جعَل الحياءَ وهو غَرِيزةٌ شُعْبةً من الإِيمان وهو اكتساب ؟ والجواب في ذلك : أَن المُسْتَحي ينقطع بالحَياء عن المعاصي ، وإن لم تكن له تَقِيَّة ، فصار كالإِيمان الذي يَقْطَعُ عنها ويَحُولُ بين المؤمن وبينها ؛ قال ابن الأَثير : وإنما جعل الحياء بعض الإِيمان لأَن الإِيمان ينقسم إلى ائتمار بما أَمر الله به وانتهاء عمَّا نهى الله عنه ، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعضَ الإِيمان ؛ ومنه الحديث : إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَح ما شئتَ ؛ المراد أَنه
لسان العرب — صفحة 217
مساهمون: ابن منظور
ص٢١٧