وأنشد ابن بري لعبيد بن القُرْطِ الأَسديّ وكان له صاحبان دخلا الحَمّامَ وتَنَوَّرا بنُورةٍ فأَحْرقتهما ، وكان نهاهما عن دخوله فلم يفعلا :
نَهَيْتُهما عن نُورةٍ أَحْرقَتْهما ، * وحَمَّامِ سوءٍ ماؤُه يَتَسَعَّرُ
وأنشد أبو العباس لرجل من مُزَيْنَةَ :
خليليَّ بالبَوْباة عُوجا ، فلا أرى * بها مَنْزِلاً إلا جَديبَ المُقَيَّدِ
نَذُقْ بَرْدَ نَجْدٍ ، بعد ما لعِبَت بنا * تِهامَةُ في حَمَّامِها المُتَوَقِّدِ
قال ابن بري : وقد جاءَ الحَمَّامُ مؤنثاً في بيت زعم الجوهري أنه يصف حَمّاماً وهو قوله :
فإذا دخلْتَ سمعتَ فيها رَجَّةً ، * لَغَط المَعاوِلِ في بيوت هَدادِ
قال ابن سيده : والحَمَّامُ الدِّيماسُ مشتق من الحَميم ، مذكر تُذَكِّرُه العرب ، وهو أَحد ما جاء من الأَسماء على فَعّالٍ نحو القَذَّافِ والجَبَّانِ ، والجمع حَمَّاماتٌ ؛ قال سيبويه : جمعوه بالأَلف والتاء وإن كان مذكراً حين لم يكسَّر ، جعلوا ذلك عوضاً من التكسير ؛ قال أبو العباس : سألت ابن الأَعرابي عن الحَمِيم في قول الشاعر :
وساغَ لي الشَّرابُ ، وكنتُ قِدْماً * أكادُ أَغَصُّ بالماء الحَميمِ
فقال : الحَميم الماء البارد ؛ قال الأَزهري : فالحَميم عند ابن الأَعرابي من الأَضداد ، يكون الماءَ البارد ويكون الماءَ الحارَّ ؛ وأَنشد شمر بيت المُرَقِّش :
كلُّ عِشاءٍ لها مِقْطَرَةٌ * ذاتُ كِباءٍ مُعَدّ ، وحَميم
وحكى شمر عن ابن الأَعرابي : الحَمِيم إن شئت كان ماء حارّاً ، وإن شئت كان جمراً تتبخر به .
والحَمَّةُ : عين ماء فيها ماء حارّ يُسْتَشْفى بالغسل منه ؛ قال ابن دريد : هي عُيَيْنَةٌ حارَّةٌ تَنْبَعُ من الأَرض يَستشفي بها الأَعِلَّاءُ والمَرْضَى .
وفي الحديث مَثَلُ العالم مثَلُ الحَمَّةِ يأْتيها البُعَداءُ ويتركها القُرَباءُ ، فبينا هي كذلك إذ غار ماؤُها وقد انتفع بها قوم وبقي أقوام يَتَفَكَّنون أي يتندَّمون .
وفي حديث الدجال : أَخبروني عن حَمَّةِ زُغَرَ أي عينها ، وزُغَرُ : موضع بالشام .
واسْتَحَمَّ إذا اغتسل بالماء الحَميم ، وأَحَمَّ نفسَه إذا غسلها بالماء الحار .
والاستِحْمامُ : الاغتسال بالماء الحارّ ، هذا هو الأَصل ثم صار كلُّ اغتسال اسْتِحْماماً بأي ماء كان .
وفي الحديث : لا يبولَنَّ أَحدُكم في مُسْتَحَمِّه ؛ هو الموضع الذي يغتسل فيه بالحَميم ، نهى عن ذلك إذا لم يكن له مَسْلَكٌ يذهب منه البول أو كان المكان صُلْباً ، فيوهم المغتسل أنه أَصابه منه شيء فيحصل منه الوَسْواسُ ؛ ومنه حديث ابن مُغَغَّلٍ : أنه كان يكره البولَ في المُسْتَحَمِّ .
وفي الحديث : أن بعضَ نسائه اسْتَحَمَّتْ من جَنابةٍ فجاء النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يَسْتَحِمُّ من فضلها أي يغتسل ؛ وقول الحَذْلَمِيّ يصف الإِبل :
فذاكَ بعد ذاكَ من نِدامِها ، * وبعد ما اسْتَحَمَّ في حَمَّامها
فسره ثعلب فقال : عَرِقَ من إتعابها إياه فذلك اسْتحمامه .
لسان العرب — صفحة 154
مساهمون: ابن منظور
ص١٥٤