الساكنين الأَلف واللام فحرَّك الأَلف لالتقائهما فانقلبت همزة ، لأَن الأَلف حرف ضعيف واسع المَخْرَج لا يَتَحمَّل الحركة ، فإِذا اضْطُرُّوا إِلى تحريكه قلبوه إِلى أَقرب الحروف إِليه وهو الهمزة ؛ قال : وعلى ذلك ما حكاه أَبو زيد من قولهم شأَبَّة ومَأَدَّة ؛ وأَنشدوا :
يا عَجَبا لقد رأَيْتُ عَجَبا : * حِمَار قَبّانٍ يَسُوق أَرْنَبا ،
خاطِمَها زَأَمَّها أَن تَذْهَبا
يريد زَامَّها .
وحكى أَبو العباس عن أَبي عثمان عن أَبي زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأُ : فيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عن ذَنْبه إِنْسٌ ولا جأَنٌّ ، بهمز جانٍّ ، فظَنَنْتُه قد لَحَن حتى سمعت العرب تقول شأَبَّة ومأَدَّة ؛ قال أَبو العباس : فقلت لأَبي عثمان أَتَقِيس ذلك ؟ قال : لا ولا أَقبله .
وضَلُولٌ : كضَالٍّ ؛ قال :
لقد زَعَمَتْ أُمامَةُ أَن مالي * بَنِيَّ ، وأَنَّني رَجُلٌ ضَلُولُ
وأَضَلَّه : جعله ضَالاً .
وقوله تعالى : إِنْ تَحْرِصْ على هُداهم فإِنَّ الله لا يَهْدي مَنْ يُضِلُّ ، وقرئت : لا يُهْدى من يُضِلُّ ؛ قال الزَّجّاج : هو كما قال تعالى : من يُضْلِلِ الله فلا هادِيَ له .
قال أَبو منصور : والإِضْلالُ في كلام العرب ضِدُّ الهداية والإِرْشاد .
يقال : أَضْلَلْت فلاناً إِذا وَجَّهْتَه للضَّلال عن الطريق ؛ وإِياه أَراد لبيد :
مَنْ هَدَاه سُبُلَ الخيرِ اهْتَدَى * ناعِمَ البالِ ، ومن شاءَ أَضَلّ
قال لبيد : هذا في جاهِلِيَّته فوافق قوله التنزيل العزيز : يُضِلُّ من يشاء ويَهْدِي من يشاء ؛ قال أَبو منصور : والأَصل في كلام العرب وجه آخر يقال : أَضْلَلْت الشيءَ إِذا غَيَّبْتَه ، وأَضْلَلْت المَيِّتَ دَفَنْته .
وفي الحديث : سيكُون عليكم أُمَّةٌ إِنْ عَصَيْتُموهم ضَلَلْتم ، يريد بمعصيتهم الخروجَ عليهم وشَقَّ عَصَا المسلمين ؛ وقد يقع أَضَلَّهم في غير هذا الموضع على الحَمْل على الضَّلال والدُّخول فيه .
وقوله في التنزيل العزيز : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كثيراً من الناس ؛ أَي ضَلُّوا بسببها لأَن الأَصنام لا تفعل شيئاً ولا تَعْقِل ، وهذا كما تقول : قد أَفْتَنَتْني هذه الدارُ أَي افْتَتَنتُ بسببها وأَحْبَبتُها ؛ وقول أَبي ذؤيب :
رآها الفُؤَادُ فاسْتُضِلَّ ضَلالُه ، * نِيَافاً من البِيضِ الكِرامِ العَطَابِل
قال السُّكَّري : طُلِبَ منه أَن يَضِلَّ فَضَلَّ كما يقال جُنَّ جُنونُه ، ونِيافاً أَي طويلة ، وهو مصدر نافَ نِيَافاً وإِن لم يُسْتعمل ، والمستعمل أَناف ؛ وقال ابن جني : نِيافاً مفعول ثان لرآها لأَن الرؤية ههنا رؤية القلب لقوله رآها الفُؤَاد .
ويقال : ضَلَّ ضَلاله ، كما يقال جُنَّ جُنونُه ؛ قال أُمية :
لوْلا وَثَاقُ الله ضَلَّ ضَلالُنا ، * ولَسَرَّنا أَنَّا نُتَلُّ فَنُوأَدُ
وقال أَوس بن حَجَر :
إِذا ناقةٌ شُدَّتْ برَحْل ونُمْرُقٍ ، * إِلى حَكَمٍ بَعْدي ، فضَلَّ ضَلالُها
وضَلَلْت المَسْجدَ والدارَ إِذا لم تعرف موضعهما ، وضَلَلْت الدارَ والمَسْجدَ والطريقَ وكلَ شيء مقيم ثابت لا تَهْتَدي له ، وضَلَّ هو عَنِّي ضَلالاً وضَلالةً ؛ قال ابن بري : قال أَبو عمرو بن العلاء إِذا لم تعرف المكانَ قلت ضَلَلْتُه ، وإِذا سَقَط من يَدِك شيءٌ قلت أَضْلَلْته ؛ قال : يعني أَن المكان لا يَضِلُّ وإِنما
لسان العرب — صفحة 391
مساهمون: ابن منظور
ص٣٩١