قد أَكلت العَنَزَةُ من عَجُزِها طائفةً فقال راعي الإِبل ، وكان نُمَيْرِيّاً فصيحاً : طَرَقَتْها العَنَزَةُ فَمَخَرَتْها ، والمَخْرُ الشَّقُّ ، وقلما تظهر لخبثها ؛ ومن أَمثال العرب المعروفة :
رَكِبَتْ عَنْزٌ بِحِدْجٍ جَمَلا
وفيها يقول الشاعر :
شَرَّ يَوْمَيْها وأَغواه لها * رَكِبَتْ عَنْزٌ بِحِدْجٍ جَمَلا
قال الأَصمعي : وأَصله أَن امرأَة من طَسْمٍ يقال لها عَنْزٌ أُخِذَتْ سَبِيَّةً ، فحملوها في هَوْدَج وأَلطفوها بالقول والفعل فعند ذلك قالت :
شر يوميها وأَغواه لها
تقول : شَرُّ أَيامي حين صرت أُكرم للسِّباء ؛ يضرب مثلًا في إِظهار البِرِّ باللسان والفعل لمن يراد به الغوائل .
وحكى ابن بري قال : كان المُمَلَّكُ على طَسْمٍ رجلًا يقال له عُمْلُوقٌ أَو عِمْلِيقٌ ، وكان لا تُزَفُّ امرأَةٌ من جَدِيسَ حتى يؤْتى بها إِليه فيكون هو المُفْتَضّ لها أَولًا ، وجَدِيسُ هي أُخت طَسْمٍ ، ثم إِن عُفَيْرَةَ بنت عَفَارٍ ، وهي من سادات جَدِيسَ ، زُفَّتْ إِلى بعلها ، فأُتِيَ بها إِلى عِمْلِيقٍ فنال منها ما نال ، فخرجت رافعة صوتها شاقة جيبها كاشفة قُبُلَها ، وهي تقول :
لا أَحَدٌ أَذَلَّ من جَدِيسِ * أَهكذا يُفْعَلُ بالعَرُوسِ
فلما سمعوا ذلك عظم عليهم واشتد غضبهم ومضى بعضهم إِلى بعض ، ثم إِن أَخا عُفَيْرَةَ وهو الأَسود ابن عَفَار صنع طعاماً لعُرْسِ أُخته عُفَيرة ، ومضى إِلى عِمْلِيقٍ يسأَله أَن يَحْضُرَ طعامه فأَجابه ، وحضر هو وأَقاربه وأَعيان قومه ، فلما مَدُّوا أَيديهم إِلى الطعام غَدَرَتْ بهم جَدِيسُ ، فَقُتِلَ كل من حضر الطعام ولم يُفلِتْ منهم أَحد إِلا رجل يقال له رِياحُ بن مُرَّة ، توجه حتى أَتى حَسَّان بن تُبَّعٍ فاسْتَجاشَه عليهم ورَغَّبَه فيما عندهم من النِّعم ، وذكر أَن عندهم امرأَة يقال لها عَنْز ، ما رأَى الناظرون لها شِبْهاً ، وكانت طَسْم وجَدِيسُ بجَوِّ اليمامة ، فأَطاعه حسانُ وخرج هو ومن عنده حتى أَتوا جَوًّا ، وكان بها زرقاءُ اليمامة ، وكانت أَعلمتهم بجيش حسان من قبل أَن يأْتي بثلاثة أَيام ، فأَوقع بجديس وقتلهم وسبى أَولادهم ونساءَهم وقلع عيني زرقاء وقتلها ، وأُتِيَ إِليه بعَنْز راكبة جملًا ، فلما رأَى ذلك بعض شعراء جديس قال :
أَخْلَقَ الدَّهْرُ بِجَوٍّ طَلَلا * مثلَ ما أَخْلَقَ سَيْفُ خِلَلا
وتَداعَتْ أَرْبَعٌ دَفَّافَةٌ * تَرَكَتْه هامِداً مُنْتَخِلا
من جَنُوبٍ ودَبُورٍ حِقْبَةً * وصَباً تُعْقبُ رِيحاً شَمْأَلا
وَيْلَ عَنْزٍ واسْتَوَتْ راكِبَةً * فوقَ صَعْب ، لم يُقَتَّلْ ذُلُلا
شَرَّ يَوْمَيْها وأَغْواه لها * رَكِبَتْ عَنْزٌ بِحِدْجٍ جَمَلا
لا تُرَى من بيتها خارِجَةً * وتَراهُنَّ إِليها رَسَلا
مُنِعَتْ جَوّاً ، ورامَتْ سَفَراً * تَرَكَ الخَدَّيْنِ منها سَبَلا
لسان العرب — صفحة 383
مساهمون: ابن منظور
ص٣٨٣