كتابه هذا الصحاح للجوهري وحاشيته لابن بري ، والتهذيب للأزهري ، والمحكم لابن
سيده ، والجمهرة لابن
دريد ، والنهاية لابن الأثير ، وغير ذلك ، فهو يغنى عن سائر كتب اللغة ، إذ هي
بجملتها لم تبلغ منها ما بلغه .
قال الإمام محمد بن الطيب محشي القاموس ، وهو عجيب في نقوله وتهذيبه ،
وتنقيحه وترتيبه ، الا انه
قليل بالنسبة لغيره من المصنفات المتداولة ، وزاحم عصره صاحب القاموس رحم
الله الجميع انتهى .
وسبب قلته كبر حجمه وتطويل عبارته ، فإنه ثلاثون مجلدا ، فالمادة التي تملأ في
القاموس صفحة واحدة
تملأ فيه أربع صفحات بل أكثر ، ولهذا عجزت طلبة العلم عن تحصيله والانتفاع به .
وبالجملة فهو كتاب لغة ، ونحو ، وصرف ، وفقه ، وأدب ، وشرح للحديث
الشريف ، وتفسير للقران
الكريم ، فصدق عليه المثل : ان من الحسن لشقوة . ولولا أن الله تبارك وتعالى
أودع فيه سرا مخصوصا لما
بقي إلى الان ، بل كان لحق بنظرائه من الأمهات المطولة التي إغتالتها طوارق
الحدثان : كالموعب لعيسى
ابن غالب التياني ، والبارع لأبي علي القالي ، والجامع للقزاز ، غيرها مما لم
يبق له عين ولا اثر ، الا في ذكر
اللغويين حين ينو هون بمن ألف في اللغة وأثر ، فالحمد لله مولي النعم ومؤتي
الهمم على أن حفظه لنا مصونا من
تعاقب الأحوال ، وتناوب الأحوال ، كما نحمده على أن ألهم في هذه الأيام سيدنا
الخديو المعظم ، العزيز ابن
العزيز ابن العزيز محمد توفيق المحمود بين العرب والعجم ، والمحفوف
بالتوفيق لكل صلاح جم ، وفلاح عم ،
إلى أن يكون هذا الكتاب الفريد بالطبع منشورا ، ونفعه في جميع الأقطار مشهورا
، بعد أن كان دهرا
طويلا كالكنز المدفون ، والدر المكنون . وذلك بمساعي امين دولته ، وشاكر
نعمته ، الشهم الهمام ، الذي
ذاعت مآثره بين الأنام ، وسرت محامده في الآفاق : حسين حسني بك ناظر مطبعة
بولاق ، وهمة ذي العزم
المتين ، والفضل المكين ، الراقي في معارج الكمال إلى الأوج ، العلم الفرد
الذي يفضل كل فوج ، من إذا
أدلهم عليك أمر يرشدك بصائب فكره ويهديك : حضرة حسين أفندي على الديك ،
فإنه حفظه الله شمر عن
ساعد الجد حتى احتمل عب ء هذا الكتاب وبذل في تحصيله نفيس ماله ، رغبة في
عموم نفعه ، واغتناما
لجميل الثناء وجزيل الثواب .
فدونك كتابا علا بقدمه على هام السها ، وغازل أفئدة البلغاء مغازلة ندمان
الصفاء عيون المها ، ورد
علينا أنموذجه ، فإذا هو يتيم اللؤلؤ منضد في سموط النضار ، يروق نظيمه
الألباب ويبهج نثيره الانظار ،
بلغ ، من حسن الطبع وجماله ، ما شهرته ورؤيته تغنيك عن الاطراء .
ومن جيد الصحة ما قام به الجم الغفير من جهابذة النجباء ، جمعوا له ، على ما
بلغنا ، شوارد النسخ
المعتبرة والمحتاج إليه من المواد ، وعثروا ، أثناء ذلك ، على نسخة منسوبة
للمؤلف ، فبلغوا من مقصودهم
المراد . وجلبوا غير ذلك ، من خزائن الملوك ومن كل فج ، وأنجدوا في تصحيح
فرائده ، وأتهموا
وأنتجعوا ، في تطبيق شواهده ، كل منتجع ، وتيمموا حتى بلغوا أقاصي الشام
والعراق ووج . أعانهم الله
على صنيعهم حتى يصل إلى حد الكمال ، وأتم لهم نسيجهم على أحكم منوال ، وجزى
الله حضرة ناظر هم
أحسن الجزاء ، وشكره على حسن مساعيه وحباه جميل الحباء ، فان هذه نعمة كبرى
على جميع المسلمين ،
يجب أن يقابلوها بالشكر والدعاء على ممر السنين ، كلما تلوا : ان الله يحب
المحسنين ، والصلاة والسلام
على سيد المرسلين .
في 17 رجب المعظم سنة 1300
كتبه الفقير إلى ربه الواهب
احمد فارس صاحب الجوائب
لسان العرب — صفحة 6
مساهمون: ابن منظور
ص٦