مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله منطق اللسان بتحميد صفاته ، وملهم الجنان إلى توحيد ذاته ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد
أشرف مخلوقاته ، وعلى آله وصحبه الذين اقتدوا بقداته واهتدوا بسماته . وبعد
فقد اتفقت آراء الأمم :
العرب منهم والعجم ، الذين مارسوا اللغات ودروا ما فيها من الفنون والحكم ،
وأساليب التعبير عن كل معنى
يجرى على اللسان والقلم ، على أن لغة العرب أوسعها وأسنعها ، وأخلصها
وأنصعها ، وأشرفها وأفضلها ، وآصلها
وأكلمها ، وذلك لغزارة موادها ، واطراد اشتقاقها ، وسرارة جوادها ، واتحاد
انتساقها . ومن جملته تعدد
المترادف ، الذي هو للبليغ خير رافد ورادف ، وما يأتي على روي واحد في
القصائد مما يكسب النظم من
التحسين وجوها ، لا تجد لها في غيرها من لغات العجم شبيها .
وهذا التفضيل يزداد بيانا وظهورا ، ويزيد المتأمل تعجبا وتحيرا ، إذا
اعتبرت أنها كانت لغة قوم أميين
لم يكن لهم فلسفة اليونانيين ، ولا صنائع أهل الصين ، ومع ذلك فقد جعلت
بحيث يعبر فيها عن خواطر هذين
الجيلين بل سائر الأجيال ، إذا كانت جديرة بان يشغل بها البال ، وتحسن في
الاستعمال الذي من لوازمه أن
يكون المعني المفرد وغير المفرد موضوعا بإزائه لفظ مفرد في الوضع ، يخف النطق
به على اللسان ويرتاح له
الطبع ، وهو شان العربية ، وكفاها فضلا على ما سواها هذه المزية .
وانما قلت مفرد في الوضع لأنا نرى معظم ألفاظ اليونانية ، وغيرها من اللغات
الإفرنجية ، من قبيل النحت ،
وشتان ما بينه وبين المفرد البحت ، فان هذا يدل على أن الواضع فطن ، من أول الأمر
، إلى المعاني المقصودة
التي يحتاج إليها لإفادة السامع ، بحسب اختلاف الأحوال والمواقع . وذاك يدل
على أن تلك المعاني لم تخطر بباله
الا عندما مست الحاجة إليها ، فلفق لها ألفاظا كيفما اتفق واعتمد في الإفادة
عليها . فمثل من وضع اللفظ
المفرد ، مثل من بنى صرحا لينعم فيه ويقصد ، فقدر من قبل البناء كل ما لزم له
من المداخل والمخارج ،
والمرافق والمدارج ، ومنافذ النور والهواء ، والمناظر المطلة على المنازه
الفيحاء ، وهكذا أتم بناءه ، كما قدره
وشاءه . ومثل من عمد إلى النحت والتلفيق ، مثل من بنى من غير تقدير ولا تنسيق
، فلم يفطن إلى ما لزم
لمبناه الا بعد أن سكنه ، وشعر بأنه لا يصيب فيه سكنه ، فتدارك ما فرط منه
تدارك من لهوج فعجز ،
فجاء بناؤه سدادا من عوز .
هذا من حيث كون الالفاظ مفردة كما أسلفت مفصلا . فاما من حيث كونها تركب
جملا ، وتكسى
من منوال البلاغة حللا ، فنسبة تلك اللغات إلى العربية ، كنسبة العريان إلى
الكاسي ، والظمآن إلى الحاسي ،
ولا ينكر ذلك الا مكابر ، على جحد الحق مثابر . وحسبك أنه ليس في تلك
اللغات من أنواع البديع الا
التشبيه والمجاز ، وما سوى ذلك يحسب فيها من قبيل الاعجاز .
هذا وكما أني قررت ان اللغة العربية أشرف اللغات ، كذلك أقرر أن أعظم
كتاب ألف في مفرداتها
كتاب لسان العرب للامام المتقن جمال الدين محمد بن جلال الدين الأنصاري
الخزرجي الإفريقي ، نزيل
مصر ، ويعرف بابن مكرم وابن منظور ، ولد في المحرم سنة 690 ، وتوفي سنة 771
( 1 ) . وقد جمع في
هامش
( 1 ) كانت ولادته سنة 630 ووفاته سنة 711 كما في الوافي
بالوفيات للصفدي والدرر الكامنة لابن حجر والمنهل الصافي لابن تغري
بردى والبغية للسيوطي .