وعندي في هذا نظر ، فإن التحديد ليس لجزئيات النفس حتى يلزم ما ذكره بل
لمفهوم النفس وهو المعنى الكلي ، وذاك كما يحتمل أن يكون نوعا يحتمل أن
يكون جنسا ، فإن قال : إن حد الكلي حد لكل نفس نفس إذ لا يعقل من كل نفس
سوى ما قلناه في التحديد منعنا ذلك وألزمناه الدور لأن الأشياء المتكثرة أنما
يصح جعلها ( 1 ) في حد واحد لو كانت متحدة في الماهية ، فلو استفدنا وحدتها من
الدخول في الحد الواحد لزم الدور ، والتحديد ليس راجعا إلى المفهوم من النفس
بل إلى حقيقتها في نفس الأمر وإلا لكان الحد حدا بحسب الاسم لا حدا بحسب
الحقيقة .
قال : واختلاف العوارض لا يقتضي اختلافها .
أقول : هذا جواب عن شبهة من استدل على اختلافها ، وتقرير الدليل أنهم
قالوا : وجدنا النفوس البشرية تختلف في العفة والفجور والذكاء والبلادة ، وليس
ذلك من توابع المزاج لأن المزاج قد يكون واحدا والعوارض مختلفة ، فإن بارد
المزاج قد يكون في غاية الذكاء وكذا حار المزاج قد يكون في غاية البلادة وقد
يتبدل والصفة النفسانية باقية ، ولا من الأشياء الخارجية لأنها قد تكون بحيث
تقتضي خلقا والحاصل ضده فعلمنا أنها لوازم للماهية ، وعند اختلاف اللوازم
يختلف الملزوم .
والجواب أن الملزومات مختلفة ، وليست هي النفس وحدها بل النفس
والعوارض المختلفة ، ومجموع النفس مع العوارض إذا كان مختلفا لا يلزم أن
يكون كل جزء أيضا مختلفا فهذه الحجة مغالطية ، هذا صورة ما أجاب به المصنف
في بعض كتبه عن هذه الحجة ، وفي هذا نظر والأقرب في الجواب ما ذكره هنا وهو
أن هذه عوارض مفارقة غير لازمة ، فاختلافها لا يقتضي اختلاف معروضها .
هامش
( 1 ) كما في ( م ) . وفي غيرها : يصح جمعها .