أقول ، ولو أهل الأرض جميعا ومثلهم معهم أجمعوا على حرب
الإسلام ومناصبته العداء ما نقصوه شيئا من جلاله ، ولو أن أهل الأرض
جميعا ومثلهم معهم اعتنقوا مبادءه ما زادوه جلالا على جلاله فسر هذا
الإسلام في مبادئه المثالية ، وسر هذه المبادئ مشخص في ذات المبادئ نفسها
وليس في الأشخاص وهذه الفئة لا يدركها إلا الراسخون في العلم .
ومن ثم فإنه لا يضير الإسلام بحال من الأحوال أن يعرض الصحابة
للنقد ، وأن يتناول الباحثون أقوالهم وسير حياتهم وسلوكهم بالتفنيد
والتحليل بل إن الإسلام الذي وضع مبادئ العدالة في الأحكام ومبادئ
المساواة بين الأشخاص يبيح ذلك النقد وذلك التحليل ، بل يحث عليه ويأمر
به ما دام ذلك النقد قصد به السعي وراء الحقيقة والدعوة إلى الطريق السوي
وما لنا نذهب بعيدا عن هذا الذي نقصد إليه ونتوخاه ! ! .
وقد رسم لنا المصلح الأكبر محمد عليه السلام هذا المنهاج العادل في الحكم
على الناس جميعا ، حين حثنا بطريق مباشر وغير مباشر أن نستمسك بكلمة
الحق لذاتها دون مراعاة للأشخاص ، وأن ننصر الحق وإن كان في جانب
الضعيف الحقير ، وأن نكيد للباطل وإن كان في جانب القوي العظيم ، وأن
لا نفرق بين الشريف والوضيع في تنفيذ حدود الله تعالى وقد جاء في الأحاديث
الصحيحة أن أسامة بن زيد - وهو حب رسول الله وابن حبه - استشفع
عنده في امرأة من أشراف قريش سرقت ، ولكن المصلح الأكبر أبى أن
يعطل حكم الله فيها ، وأرسل قالته المشهورة الخالدة :
( أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم ، إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف
نظرات في الكتب الخالدة — صفحة 137
مساهمون: حامد حفني داود
ص١٣٧