أما سبب خروج الأحوص فإنه كان من أتباع المختار الثقفي ( 1 ) الذي خرج
هامش
( 1 ) لقد اشتبه بعض المؤلفين لما نسب الأحوص إلى اتباع زيد الشهيد ، لان هجرة الأشعريين
من الكوفة كانت زمن الحجاج بن يوسف الثقفي ، والذي كان واليا على العراق منذ عام 75 ه
إلى عام 95 ه ، بمعنى استمرت إمارته من حكومة عبد الملك بن مروان ( 65 - 86 ) إلى
حكومة الوليد بن عبد الملك ( 86 - 96 ) ، ثم جاء من بعد الوليد أخوه سليمان بن عبد الملك
فحكم من ( 96 - 99 ) ، وبعده جاء عمر بن عبد العزيز وكانت حكومته ( 99 - 101 ) ، ثم جاء
بعده يزيد ابن عبد الملك وحكم ( 101 - 105 ) ، ثم جاء هشام بن عبد الملك فحكم ( 105 -
125 ) . وكتب التاريخ وأرباب المقاتل تذكر أن ولادة زيد بن علي الشهيد كانت عام 80 ه ،
والبعض يذكر عام 75 ه ، وأما شهادته فلا اختلاف في كونها زمن هشام بن عبد الملك ، إلا
أنهم اختلفوا في كونها سنة 120 أم سنة 122 ، فيوم استشهد زيد - رضوان الله عليه - كان
عمره 42 سنة ، وعلى بعض الروايات أن عمره الشريف 47 سنة .
فمن الأنسب والمعقول أن يكون الأحوص وعبد الله من أولاد سعد بن مالك ، وأنهما كانا من
أتباع المختار ، ولما انتهت حكومة المختار باستشهاده بالكوفة ، ودخول مصعب بن الزبير
سنة ( 67 ) ، ثم بعد ذلك آلت الأمور أن يدخلها الحجاج بن يوسف الثقفي واليا سنة ( 75 ) ،
وجد نفسه مدينا للأمويين الذين أسندوا له إمارة الكوفة ، لذا أخذ يتتبع أنصار المختار
فينتقم منهم ، ومن كان في جنده ، أو من أتباعه الذين ثأروا لدماء أهل البيت عليهم السلام
بعد استشهاد الحسين عليه السلام في كربلاء .
فلو سلمنا أن الأحوص كان من أنصار المختار وأعوانه ، ثم ولاءه للمختار وأهل البيت عليهم
السلام قاده إلى أن يمكث في سجن الحجاج بن يوسف الثقفي أربع سنوات ، وبعدها خرج
من السجن بعدما عفا عنه الحجاج ، فكل ذلك يؤدي بنا أن نرجح تاريخ هجرة الأشعريين
إلى قم حدود عام 90 ه أو ما بعدها بسنة واحدة أو سنتين ، وغاية ما يقال : إنهم دخلوا قم
سنة 93 ه ، فأين الأحوص من اشتراكه مع ثورة زيد التي كانت عام 122 ه زمن
هشام بن عبد الملك ؟ !
وللأحوص إخوة ، هم : عبد الله ، وعبد الرحمان ، وبكر ، ونعيم ، ويستفاد من ترجمة المامقاني
لعبد الله ، أن سعدا والدهم هو أول من سكن قم ، وقد ترحم عليهم الإمام الصادق عليه السلام .
قال في التنقيح : عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري ، يظهر من ترجمة ابنيه عمران وعيسى ،
جلالته ، اما في عمران فإن أبا عبد الله عليه السلام حيث قربه وسأله عن حاله وحال ولده وأهله
وبني عمه وأهل بيته ، وسئل عليه السلام عنه ، من هذا ؟ قال الإمام الصادق عليه السلام : " هذا نجيب من
قوم نجباء ، ما نصب لهم جبار إلا قصمه الله " ، وفي خبر آخر : " هذا من أهل البيت النجباء ،
يعني أهل قم ما أرادهم جبار من الجبابرة إلا قصمه الله تعالى " . وأما في عيسى فقول علي
بن أحمد العقيقي في ترجمة عيسى أنه يشبه أباه ، وكان وجها عند أبي عبد الله عليه السلام مختصا
به ، وفي مقدمة " الجامع " للحارثي العاملي - من علمائنا - أن عبد الله هذا من أولاد
الأحوص ، والمنسوبون إلى عبد الله هذا كثيرون ، وأكثرهم صلحاء ، لهم خدمة واتصال ،
وأول من سكن بقم منهم أبوه سعد بن مالك بن الأحوص بن السائب بن مالك بن عامر ، وكان
السائب وفد إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وهاجر إلى الكوفة وأقام بها . تنقيح المقال : 2 / 184 .
من هذا نستنتج :
أولا : أن الأحوص الذي كان في سجن الحجاج هو من أحفاد الأحوص بن السائب بن مالك .
ثانيا : لا منافاة من كون سعد - والد الأحوص وعبد الله - قد سكن قم قبل ولديه بفترة وإن
كانت وجيزة ، بل قل : إن أول قافلة اتجهت إلى قم هي قافلة سعد ، ثم تبعتها قوافل
الأشعريين التي من ضمنها ركب الأحوص وعبد الله .
ثالثا : ولو قلنا - على ما في القول من ضعف - : إن الأحوص هذا قد دخل الكوفة ثانية ،
واشترك مع زيد الشهيد في ثورته ، لكن لابد من رفض الرواية القائلة بأن الحجاج حبس
الأحوص بسبب اشتراكه في ثورة زيد ، لما عرفت من أن الفاصل الزمني بين ثورة زيد
الشهيد ووفاة الحجاج عام ( 95 ه ) فاصل كبير ، ثم إن زيد كانت ولادته - كما تقدم في أحد
الروايات - عام ( 75 ه ) ، بغض النظر عن الروايات القائلة : إنه ولد في عام ( 80 ه ) ، فلم
يحدثنا التاريخ أن زيدا كانت ثورته زمن الوليد بن عبد الملك ، ولا أن الحجاج كان له دور في
إخماد تلك الثورة أو ملاحقة أنصاره . . .
والخلاصة : نفهم أن الحجاج حبس الأحوص ، ولاحق الأشعريين ، لكونهم من أتباع أهل
البيت عليهم السلام ، ولاشتراك بعضهم في ثورة التوابين وثورة المختار .