شرح
فاتضح من جميع ما ذكرناه لحد الآن عدم الفرق في الأكل والشرب
بين كونه من الطريق العادي وغيره ، وعدم الفرق في المأكول والمشروب
بين المتعارف وغيره ، وعدم الفرق أيضا بين القليل والكثير ، كل ذلك
لاطلاق الأدلة السليم عما يصلح للتقييد حسبما عرفت بما لا مزيد عليه .
ثم إن الماتن ( قده ) رتب على ما ذكره من عدم الفرق بين القليل والكثير
أن الخياط لو بل الخيط بريقه أو غيره ثم رده إلى الفم فليس له أن يبتلع
البلة الموجودة على الخيط ، إذ بالخروج عن الفم صارت البلة من الرطوبة
الخارجية فلا يجوز ابتلاعها وإن قلت ، إلا إذا استهلكت بريقه على وجه
لا يصدق عليها الرطوبة الخارجية ، على ما سيجئ من عدم البأس بابتلاع
الريق والبصاق المتجمع في الفم ، فبعد فرض الاستهلاك الموجب لانعدام
الموضوع لا بأس ببلع الريق ، فإنه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع .
وقد يستشكل في ذلك بمنع تحقق الاستهلاك بعد فرض الاتحاد في
الجنس ، فإنه إنما يتصور في غير المتجانسين على ما ذكروه في الشركة ،
كامتزاج التراب في الماء ، أو وقوع قطرة من البول في كر من الماء مثلا
الموجب لزوال الموضوع وانعدامه . وأما المزج الحاصل في المتجانسين - كما
في المقام - فهو موجب لزيادة الكمية والإضافة على مقدارها فكان الريق
أو الماء عشرة مثاقيل مثلا فصارف أحد عشر مثقالا ، وإلا فالمزيج باق
على ما كان لا أنه زال وانعدم . فلا يتصور في مثله الاستهلاك .
ويندفع بأن هذا إنما يتم بالنظر إلى ذات المزيج فلا يعقل الاستهلاك
بملاحظة نفس الممتزجين المتحدين في الجنس وذاتهما ، فإنها طبيعة واحدة
قد زيدت كميتها كما أفيد .
وأما بالنظر إلى الوصف العنواني الذي بملاحظته جعل موضوعا لحكم
من الأحكام بأن كان الأثر مترتبا على صنف خاص من الطبيعة فلا مناص