شرح
الصحيحة المتقدمة وعدم كراهة الصلاة في الأوقات الثلاثة .
وأما صحيحة محمد بن مسلم فيتوجه على الاستدلال بها أنها غير قابلة
التصديق بمدلولها - في نفسها - لاشتمالها على أن الشمس تطلع بين قرني
شيطان وتغرب بين قرني شيطان ، وهذا إنما يمكن الاذعان به فيما إذا كان
لطلوع الشمس وغروبها وقت معين ومعه أمكن أن يقال : إن الشمس
تطلع وتغرب بين قرني شيطان .
وليس الأمر كذلك فإن الشمس في كل آن من الأربع والعشرين
ساعة في طلوع وغروب ، كما أنها في كل آن منها في زوال وذلك لكروية
الأرض فهي تطلع في آن في مكان وبالإضافة إلى جماعة . وفي آن آخر
تطلع في مكان آخر وبالإضافة إلى جماعة آخرين ، كما أنها دائما في زوال
وغروب .
ومعه ما معنى أن الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان ؟ !
فهو تعليل بأمر غير معقول في نفسه وهو أشبه بمفتعلات المخالفين ، لاستنكارهم الصلاة
في الأوقات الثلاثة معللا له بهذا الوجه العليل ( * 1 ) فلا مناص من حمل الصحيحة
هامش
( * 1 ) وبذلك عللت الكراهة عند غروب الشمس وطلوعها في جملة من
روايات العامة أخرجها مسلم في صحيحه ج 1 ص 229 من طبعة دار الكتب العربية
والنسائي في سننه ج 1 ص 97 من طبعة مصر ، وأبو عوانة في مسنده ج 1 ص 386
وابن ماجة في سننه ج 1 ص 377 وابن حجر في مجمع الفوائد ج 2 ص 225 وفي
طرح التثريب في شرح التقريب لزين الدين عبد الرحيم العراقي ج 2 ص 195 بعد
ذكر حديث طلوع الشمس وغروبها قال : اختلفوا في معناه فقيل المراد مقارنة
الشيطان للشمس عند طلوعها وغروبها ، وقيل المراد قوة وسوسة الشيطان للعبد
وتسويله له فلا يسجدوا لها في هذه الأوقات ، وقيل وقوف الشيطان للشمس عند
طلوعها فيقابلها بين قرني رأسه فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له ، وقال
القاضي عياض : المراد من قرني الشيطان على الحقيقة كما ذهب إليه الداودي وعند
غروبها يريد السجود لله تعالى فيأتي شيطان فيصده فتغرب بين قرني رأسه وهكذا
عند الطلوع ، وقال الخطابي : قرنه عبارة عن مقارنته لها ، وقيل المراد التمثيل بذوات
القرون فكما أنها تدافع عما يريدها بقرونها كذلك الشيطان يدافع عن وقتها بما
يزينه للانسان .
وقال في ج 2 ص 182 : وقتان منها عند طلوع الشمس وعند الغروب مجمع
عليه في الجملة قال ابن البر : لا أعلم خلافا بين المتقدمين والمتأخرين أن صلاة التطوع
والنوافل كلها عند طلوع الشمس وعند غروبها غير جائز شئ منها ، وقال النووي
أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذين الوقتين ، ووقت ثالث ورد
النهي عنه وهو حالة استواء الشمس في كبد السماء حتى تزول . وبه قال الشافعي
وأحمد وأبو حنيفة وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والحسن بن حي وأهل الظاهر
والجمهور وهو رواية عن عمر بن الخطاب ورواية عن مالك والمشهور عنه عدم
كراهة الصلاة في هذه الحالة ، وحكى ابن بطال عن الليث عدم الكراهة أيضا ،
ورخص فيه الحسن وطاووس والأوزاعي ، وعند عطاء بن أبي رياح كراهة
الصلاة في نصف النهار في الصيف لا في الشتاء وأجاز مكحول الصلاة نصف
النهار للمسافر ، واستثنى الشافعية من المنع يوم الجمعة وبه قال أبو يوسف وهو
رواية عن الأوزاعي وأهل الشام .
وفي المغني لابن قدامة ممن قال بعدم الكراهة عند الاستواء في يوم الجمعة
إسحاق بن راهويه وسعيد بن عبد العزيز والحسن وطاووس والأوزاعي ، وذهب
أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأصحابه إلى عدم الفرق في الكراهة
يوم الجمعة وغيره .
وفي ص 185 قال : صح النهي عن الصلاة في حالتين أخريين وهما بعد الصبح
حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وبه قال مالك الشافعي وأحمد
والجمهور وهو مذهب الحنيفة إلا أنه عندهم أخف من الصورة المتقدمة وذهب
آخرون إلى عدم كراهة الصلاة في هاتين الصورتين ومال ابن المنذر ، وذهب محمد بن
جرير الطبري إلى التحريم في حالتي الطلوع والغروب والكراهة فيما بعد الصبح والعصر
وقال ابن عبد البر : ذهب آخرون إلى أنه لا يجوز بعد الصبح ويجوز بعد العصر ،
وابن عمر كره الصلاة بعد الصبح وجوزها بعد العصر إلى الاصفرار ، وزاد المالكية
في أوقات الكراهة وقتا آخر وهو بعد صلاة الجمعة حتى ينصرف الناس وهم
مطالبون بالدليل .