شرح
المعاصي ولو في الباطن .
وكذلك الحال في الاسلام ، وعدم ظهور الفسق ، فإن هذا العنوان بنفسه
يدلنا على أن الفسق أمر واقعي قد يظهر وقد لا يظهر ، فمع أن المكلف فاسق في
الواقع لارتكابه المعصية في الباطن كيف يمكن أن يكون عادلا من جهة عدم ظهور
الفسق منه ؟ ! إذا هما طريقان ومعرفان للعدالة ، لا أنهما العدالة نفسها ، ويأتي الكلام
على معرف العدالة وطريق استكشافها قريبا إن شاء الله . وعلى الجملة القولان الأخيران
ساقطان ، ومعه لا بد من التكلم في أن العدالة هي الأعمال الخارجية من دون اعتبار
صدورها عن الملكية النفسانية ، أو أنه يعتبر في العدالة أن تكون الأعمال صادرة
عن الملكة ؟
فنقول : لم تثبت للعدالة حقيقة شرعية ، ولا متشرعية ، وإنما هي بمعناها اللغوي
أعني الاستقامة وعدم الجور والانحراف وهي قد تستند إلى الأمور المحسوسة فيقال
هذا الجدار عدل أو مستقيم ، أو أن العصا مستقيم ، فتكون العدالة والاستقامة من
الأمور المحسوسة . وقد تسند إلى الأمور غير المحسوسة فيراد منها الاستقامة المعنوية
وذلك كالعقيدة والفهم ، والأخلاق فيقال : عقيدة فلان مستقيمة أي غير مشوشة
أو أن فهمه مستقيم في قبال اعوجاجه ، أو أخلاقه مستقيم أي لا افراط فيه ولا
تفريط . وقد تسند إلى الذوات فيقال زيد عادل ومعناه أن مستقيم في الخروج
عن عهدة التكاليف المتوجهة إليه ، وحيث أن الشارع يراه مستقيما في جادة الشرع
فهو عادل شرعا وغير منحرف عن جادته .
فالعدالة المطلقة - وهي المنسوبة إلى الذوات - هي الاستقامة العملية كما
يقتضيه معناها اللغوي ، مع قطع النظر عن الروايات والمتحصل أن العدالة ليست لها
حقيقة شرعية وإنما استعملت في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي أعني الاستقامة
وعدم الاعوجاج والانحراف وغاية الأمر أن موارد استعمالها مختلفة .