[ مسألة الترتّب ]
( 1 )
ثمّ إنّه تصدّى جماعة من الأفاضل لتصحيح الأمر بالضدّ بنحو الترتّب على العصيان وعدم إطاعة الأمر بالشيء بنحو الشرط المتأخّر ، أو البناء على المعصية ( 2 ) بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن ، بدعوى أنّه لا مانع عقلا عن تعلّق الأمر بالضدّين كذلك ، أي بأن يكون الأمر بالأهمّ مطلقاً ، والأمر بغيره معلّقاً على عصيان ذاك الأمر ، أو البناء والعزم عليه ، بل هو واقعٌ كثيراً عرفاً ( 3 ) .
هامش
( 1 ) إنّ مسألة الترتّب من المسائل الحديثة ، وليست من المسائل العريفة في القدم ، بل ليس لها في كتب القدماء عينٌ ولا أثر .
وأوّل من التزم به هو المحقّق الثانيّ ثمّ كاشف الغطاء . وفصّله المجدّد الشيرازيّ ، ثمّ رتّبه السيّد الفشاركيّ ، ونقّحه المحقّق النائينيّ ، وصحّحه المحقّق الاصفهانيّ كما يأتي . فراجع جامع المقاصد 5 : 12 - 14 ، كشف الغطاء : 27 ، تقريرات المجدّد الشيرازيّ 2 : 273 - 282 ، الرسائل الفشاركيّة : 184 - 189 ، فوائد الأصول 1 : 336 ، نهاية الدراية 1 : 425 .
وذهب المصنّف تبعاً لأستاذه الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى عدم إمكان تصحيح الأمر بالضدّ بنحو الترتّب ، كما يأتي .
( 2 ) وفي النسخ : « على معصيته » . والأولى ما أثبتناه .
( 3 ) كما أنّ الأب يأمر ابنه بالذّب إلى المدرسة ، وعلى تقدير عصيانه يأمره بالبقاء في الدار - مثلا - .
وحاصل مسلك الترتّب - على تقريب ذكره المصنّف في المقام - : أنّه يمكن تصحيح الأمر بالضدّ بأن يكون الضدّ المهمّ متعلّقاً للأمر بشرط عصيان الأمر بالأهمّ أو البناء على عصيانه ، بحيث يجتمع الأمر بالضدّ المهمّ والأمر بالأهمّ في زمان واحد .
وتوضيحه : أنّ المكلّف إذا دَخَل المسجد وقت الصلاة - مثلا - وعلم بنجاسة المسجد
فتوجّه إليه أمر « أزل النجاسة » - بناءً على أن تكون الإزالة أهمّ والصلاة مهمّاً - ، وهذا الأمر مطلق . فلو ترك الإزالة وعصى الأمر به توجّه إليه الأمر بالمهمّ - أعني : « صلِّ » - . فيكون عصيان الأمر بالأهمّ موضوعاً للأمر بالمهمّ ، كأنّ المولى قال : « أزل النجاسة وإن عصيت أو بنيت على العصيان فصلِّ » . وعليه فالأمر بالضدّ المهمّ مترتّب على عصيان الأمر بالأهمّ وفي طوله بنحو الشرط المتأخّر ، أو مترتّبٌ على البناء على المعصية بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن ، مع بقاء الأمر بالأهمّ بعد عصيانه ، فإنّ الأمر لا يسقط بالعصيان . فالأمر بالضدّ المهمّ والأمر بالأهمّ وإن يجتمعان في زمان واحد ولكن أحدهما مطلق - وهو الأمر بالأهمّ - والآخر مشروط بشرط حاصل - وهو الأمر بالمهمّ الّذي مشروط بعصيان الأمر بالأهمّ أو البناء عليه ، والمفروض أنّه حاصل - ، فيختلفان رتبةً لتأخُّر الأمر بالمهمّ عن الأمر بالأهمّ ، فلا يلزم من طلبهما بهذا النحو محذور طلب الضدّين في عرض واحد ، بل هو واقع كثيراً في العرف .