فكما أنّ قضيّة المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدُّمَ ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر ، كذلك في المتضادّين ( 1 ) .
كيف ؟ ! ولو اقتضى التضادُّ توقُّفَ وجودِ الشيء على عدم ضدّه - توقُّفَ الشيءِ على عدم مانعه - لاقتضى توقُّفَ عدم الضدّ على وجود الشيء - توقُّفَ عدم الشيء على مانعه - ، بداهة ثبوت المانعيّة في الطرفين وكون المطاردة من الجانبين ، وهو دور واضح ( 2 ) .
وما قيل ( 3 ) في التفصّي عن هذا الدور بأنّ التوقّف من طرف الوجود فعليٌّ ، بخلاف التوقّف من طرف العدم ، فإنّه يتوقّف على فرض ثبوت المقتضي له ( 4 ) مع
هامش
( 1 ) هذا ثاني الوجوه الّتي ذكرها المصنّف في دفع الاستدلال على مقدّميّة عدم الضدّ للضدّ الآخر . وحاصله : النقض بالمتناقضين . وتوضيحه : أنّه لا فرق بين المتناقضين والمتضادّين في استحالة اجتماعهما في الوجود ، وذلك لثبوت ملاكها فيهما على السواء . ومعلوم أنّ أحد النقيضين يكون في رتبة عدم الآخر ، ضرورة أنّ وجود زيد - مثلا - في رتبة عدم نقيضه - أي عدم عدمه - من دون تقدّم بينهما ، لأنّ عدم عدمه نفس وجوده ، وتقدّم الشيء على نفسه محال . وعليه فليس مجرّد وجود المعاندة بين شيئين مستلزماً لمقدّميّة عدم أحدهما لثبوت الآخر ، والاّ لكان عدم أحد النقيضين مقدّماً على النقيض الآخر ، وهو كما ترى .
وأجاب عنه السيّد الإمام الخمينيّ بمنع لزوم كون أحد النقيضين في رتبة عدم الآخر . راجع مناهج الوصول 2 : 12 - 13 .
( 2 ) وهذا ثالث الوجوه المذكورة في دفع التوهّم المذكور . وهو واضح .
وأجاب عنه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ توقّف فعل الضدّ على تركه قضاءً لحقّ الشرطيّة ، لكنّه لا علّيّة في طرف العدم ، إذ لا علّيّة في الأعدام ; مع أنّ الفعل ليس مطابَق ترك الترك بل ملازم له . نهاية الدراية 1 : 428 .
وأجاب عنه السيّد الإمام الخمينيّ أيضاً بأنّ التمانع إذ اقتضى توقُّفَ وجود أحد الضدّين على عدم الآخر - توقّفَ الشيء على عدم مانعه - يقتضي أيضاً توقُّفَ وجود الضدّ الآخر على عدم ضدّه أيضاً ، لا توقُّفَ عدمه على وجوده ، لأنّ العدم ليس بشيء حتّى يتوقّف تحقّقه على شيء . مناهج الوصول 2 : 13 - 14 .
( 3 ) والقائل هو المحقّق الخوانساريّ على ما في مطارح الأنظار : 105 .
( 4 ) أي : للوجود .