قلت : إنما يخرج بذلك عن الاختيار ، لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة
بمقدماتها الاختيارية ، وإلا فلا بد من صدورها بالاختيار ، وإلا لزم تخلف
إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
إن قلت : إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين
بإرادتهما ، إلا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف ؟ وقد سبقهما الإرادة
الأزلية والمشية الإلهية ، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالآخرة بلا
اختيار ؟
قلت : العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته ، الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإن ( السعيد
سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمه ) ( 1 ) و ( الناس معادن كمعادن
الذهب والفضة ) ( 2 ) ، كما في الخبر ، والذاتي لا يعلل ، فانقطع سؤال : إنه لم
جعل السعيد سعيدا والشقي شقيا ؟ فإن السعيد سعيد بنفسه والشقي شقي
كذلك ، وإنما أوجدهما الله تعالى ( قلم اينجا رسيد سر بشكست ) ( 3 ) ، قد
إنتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الافهام ، ومن الله الرشد
والهداية وبه الاعتصام .
وهم ودفع : لعلك تقول : إذا كانت الإرادة التشريعية منه تعالى عين
علمه بصلاح الفعل ، لزم - بناء على أن تكون عين الطلب - كون المنشأ بالصيغة
في الخطابات الإلهية هو العلم ، وهو بمكان من البطلان .
هامش
( 1 ) ورد بهذا المضمون في توحيد الصدوق / 356 الباب 58 الحديث 3 .
( 2 ) الروضة من الكافي 8 / 177 ، الحديث 197 .
مسند أحمد بن حنبل 2 / 539 وفيه تقديم الفضة على الذهب . وقريب منه في هذا المصدر
صفحة 257 ، 260 ، 391 ، 438 ، 485 ، 498 ، 525 والبخاري 4 / 216 .
( 3 ) يريد المؤلف ( ره ) : وهنا يقف القلم ، لان الكلام انتهى إلى ما ربما لا يسعه كثير من الافهام ،
وما بين القوسين ، تعبير فارسي ترجمته : لما وصل القلم إلى هنا انكسر رأسه .