أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر ، والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة
الانشائية ، وبالجملة هما متحدان مفهوما وإنشاء وخارجا ، لا أن الطلب
الانشائي الذي هو المنصرف إليه إطلاقه - كما عرفت - متحد مع الإرادة
الحقيقية ( 1 ) التي ينصرف إليها إطلاقها أيضا ، ضرورة أن المغايرة بينهما أظهر من
الشمس وأبين من الأمس . فإذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد ، ففي
مراجعة الوجدان عند طلب شئ والامر به حقيقة كفاية ، فلا يحتاج إلى مزيد
بيان وإقامة برهان ، فإن الانسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أخرى
قائمة بها ، يكون هو الطلب غيرها ، سوى ما هو مقدمة تحققها ، عند خطور
الشئ والميل وهيجان الرغبة إليه ، والتصديق لفائدته ، وهو الجزم بدفع ما
يوجب توقفه عن طلبه لأجلها .
وبالجملة : لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة أخرى
قائمة بها يكون هو الطلب ، فلا محيص ( 2 ) عن اتحاد الإرادة والطلب ، وأن
يكون ذلك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة ،
أو المستتبع لامر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك ، مسمى بالطلب والإرادة كما
يعب به تارة وبها أخرى ، كما لا يخفى . وكذا الحال في سائر الصيغ الانشائية ،
والجمل الخبرية ، فإنه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس ، من
الترجي والتمني والعلم إلى غير ذلك ، صفة أخرى كانت قائمة بالنفس ، وقد
دل اللفظ عليها ، كما قيل :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقد انقدح بما حققناه ، ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة بالأمر مع
عدم الإرادة ، كما في صورتي الاختبار والاعتذار من الخلل ، فإنه كما لا إرادة
هامش
( 1 ) في " ب " : الحقيقة .
( 2 ) في النسختين فلا محيص إلا ، والظاهر " إلا " هنا مقحمة في السياق .