كان محيص عن دلالته اقتضاء على أن المراد به ذاك المعنى ، بناء على عدم إمكانه فيها
بمعناه حقيقة ، كما لا يخفى أنه التزام بالاشكال وعدم جريانه فيها ، وهو كما ترى .
قلت : لا يخفى أن منشأ الاشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة
مثل سائر الشروط المعتبرة فيها ، مما يتعلق بها الامر المتعلق بها ، فيشكل جريانه
حينئذ ، لعدم التمكن من قصد القربة المعتبر فيها ( 1 ) ، وقد عرفت أنه فاسد ( 2 ) ،
وإنما اعتبر قصد القربة فيها عقلا لأجل أن الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه .
وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الامكان ، ضرورة التمكن من
الاتيان بما احتمل وجوبه بتمامه وكماله ، غاية الأمر أنه لابد أن يؤتى به على نحو لو
كان مأمورا به لكان مقربا ، بأن يؤتى به بداعي احتمال الامر أو احتمال كونه محبوبا له
تعالى ، فيقع حينئذ على تقدير الامر به امتثالا لامره تعالى ، وعلى تقدير عدمه انقيادا
لجنابه تبارك وتعالى ، ويستحق الثواب على كل حال إما على الطاعة أو الانقياد .
وقد انقدح بذلك أنه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلق أمر بها ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) هكذا صححه في " ب " ، وفي " أ " : لعدم التمكن من إتيان جميع ما اعتبر فيها . . . إلخ .
( 2 ) هذا مع أنه لو أغمض عن فساده ، لما كان في الاحتياط في العبادات إشكال غير الاشكال فيها ،
فكما يلتزم في دفعه بتعدد الامر فيها ، ليتعلق أحدهما بنفس الفعل والآخر بإتيانه بداعي أمره ،
كذلك فيما احتمل وجوبه منها ، كان على هذا احتمال أمرين كذلك ، أي أحدهما كان متعلقا
بنفسه والآخر بإتيانه بداعي ذاك الامر ، فيتمكن من الاحتياط فيها بإتيان ما احتمل وجوبه بداعي
رجاء أمره واحتماله ، فيقع عبادة وإطاعة لو كان واجبا ، وانقيادا لو لم يكن كذلك .
نعم كان بين الاحتياط ها هنا وفي التوصليات فرق ، وهو أن المأتي به فيها قطعا كان موافقا لما
احتمل وجوبه مطلقا ، بخلافه هاهنا ، فإنه لا يوافق إلا على تقدير وجوبه واقعا ، لما عرفت من
عدم كونه عبادة إلا على هذا التقدير ، ولكنه ليس بفارق لكونه عبادة على تقدير الحاجة إليه ، وكونه
واجبا .
ودعوى عدم كفاية الاتيان برجاء الامر في صيرورته عبادة أصلا - ولو على هذا التقدير - مجازفة ،
ضرورة استقلال العقل بكونه امتثالا لامره على نحو العبادة لو كان ، وهو الحاكم في باب الإطاعة
والعصيان ، فتأمل جيدا ( منه قدس سره ) .
( 3 ) خلافا لما يظهر من الشيخ في بداية كلامه ، فرائد الأصول / 228 .