ولم يثبت شرعا إباحة ما اشتبه حرمته ، فإن ما دل على الإباحة معارض بما دل على
وجوب التوقف أو الاحتياط .
وفيه أولا : إنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف والاشكال ، وإلا لصح
الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإباحة .
وثانيا : إنه ثبت الإباحة شرعا ، لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على
التوقف أو الاحتياط ، للمعارضة لما دل عليها .
وثالثا : أنه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة ، للقول بالاحتياط في
هذه المسألة ، لاحتمال أن يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وما
قيل ( 1 ) - من أن الاقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالاقدام على ما يعلم فيه
المفسدة - ممنوع ، ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، فإن المفسدة المحتملة في
المشتبه ليس بضرر غالبا ، ضرورة أن المصالح والمفاسد التي هي مناطات الاحكام
ليست براجعة إلى المنافع والمضار ، بل ربما يكون المصلحة فيما فيه الضرر ، والمفسدة
فيما فيه المنفعة ، واحتمال أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف غالبا لا يعتنى به قطعا ،
مع أن الضرر ليس دائما مما يجب التحرز عنه عقلا ، بل يجب ارتكابه أحيانا فيما كان
المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره ، مع القطع به فضلا عن
احتماله .
بقي أمور مهمة لا بأس بالإشارة إليها :
الأول : إنه إنما تجري أصالة البراءة شرعا وعقلا فيما لم يكن هناك أصل
موضوعي مطلقا ولو كان موافقا لها ، فإنه معه لا مجال لها أصلا ، لوروده عليها كما
يأتي تحقيقه ( 2 ) فلا تجري - مثلا - أصالة الإباحة في حيوان شك في حليته مع الشك في
هامش
( 1 ) القائل هو شيخ الطائفة ، عدة الأصول / 117 .
( 2 ) يأتي تحقيق الورود في خاتمة الاستصحاب - حقائق - 2 / 256 .