والثاني : اجتماع النقيضين .
والذي يخطر لنا في تفسير ذلك أمران :
أحدهما : أن يقال : البقاء إما جوهر أو عرض ، والقسمان باطلان فالقول به
باطل :
أما الأول فلأنه لو كان جوهرا لم يكن جعله شرطا لجوهر آخر أولى من
العكس ، فإما أن يكون كل واحد منهما شرطا لصاحبه وهو دور ، أو لا يكون
أحدهما شرطا للآخر وهو المطلوب .
وأما الثاني فلأنه لو كان عرضا قائما بذاته لزم اجتماع النقيضين ، إذ العرض
هو الموجود في المحل ، فلو كان البقاء قائما لا في محل مع كونه عرضا لزم ما
ذكرناه .
الثاني : أن يقال : البقاء ( 1 ) إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والقسمان
باطلان :
هامش
( 1 ) هذا هو التفسير الثاني لقول الماتن من لزوم الترجيح بلا مرجح أو اجتماع النقيضين .
أما الأول ففيما إذا كان البقاء الموجود لا في محل جوهرا ، وأما الثاني ففيما إذا كان البقاء الموجود لا
في محل عرضا ، فإنهما متناقضان .
لا يقال : إن افتراض كون البقاء موجودا لا في محل أوجب التناقض ، لماذا لا نفترض كونه موجودا في
محل ؟
فإنه يقال : ما ذكرته من الفرض هو نظرية الأشاعرة والكعبي ، وسوف يذكرها المصنف في البحث
الآتي ، والكلام مركز على نظرية ابن شبيب القائل بأن البقاء موجود لا في محل .
وهناك تفسير ثان للشارح لكلا الأمرين ، فالثاني أي اجتماع النقيضين مبني على كون البقاء واجبا
لذاته وفي الوقت نفسه وجد بعد العدم ، وهذا عين التناقض ، وأما الأول أي الترجيح من غير
مرجح فهو مبني على القول بكونه ممكنا ، فإن كونه في وقت دون وقت ترجيح من غير مرجح ،
واحتمال أن المرجح أحد الأمور التالية :
1 - ذاته . 2 - فاعله . 3 - ضده . 4 - انتفاء شرطه ، احتمال باطل .
أما الأول : فلو كان عدمه في وقت خاص مستندا إلى ذاته يلزم أن تقتضيه مطلقا ، فيكون ممتنع
الوجود ، مع أنه ممكن الوجود .
أما الثاني : فلما مر من أنه لا فرق في الامتناع للفاعل بين نفي الفعل وفعل العدم ، وكلاهما باطلان ، وقد
مر من الشارح وجود الفرق بينهما ، وعلى هذا يكون الاستدلال جدليا مبنيا على مسلمات القوم .
أما الثالث : فلما تقدم في المسألة الثانية من أن اقتضاء الضد المتقدم لنفي البقاء المتأخر أولى من
انعدام الضد بالبقاء المتأخر ، كما أوضحه عند شرح قول الماتن " ولانتفاء الأولوية " ، أو لعل المراد
أنه لا ضد للجواهر .
وأما الرابع : أعني انتفاء الشرط فيقال : لو كان للبقاء شرط فللشرط وجود وبقاء غير وجوده ، فينتقل
السؤال إلى السبب لعدم بقاء ذلك الشرط ، ولو كان عدمه لأجل انتفاء شرطه يتسلسل ، على أنه لا
وجه لعد شئ شرطا ( صفة ) والآخر مشروطا ( موصوفا ) .