2 : 18 : " قال محمد بن سلام : قال يونس بن حبيب : ما جاء عن أحد من روائع الكلام ما جاء عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
فحكى الإمام السهيلي - مع الإقرار والتسليم - تعقب غيره لهذا القول في كتابه " الروض الأنف " 4 :
138 فقال : " قال الجاحظ في كتاب " البيان " عن يونس بن حبيب : لم يبلغنا من روائع الكلام ما بلغنا عن
النبي صلى الله عليه وسلم . وغلط في هذا الحديث ونسب إلى التصحيف ، وإنما قال القائل : ما بلغنا عن البتي . يريد :
عثمان البتي ، فصحفه الجاحظ ، قالوا : والنبي صلى الله عليه وسلم أجل من أن يخلط مع غيره من الفصحاء حتى يقال : ما
بلغنا عنه من الفصاحة أكثر من الذي بلغنا عن غيره ، كلامه أجل من ذلك وأعلى . صلوات الله عليه
وسلامه " .
وأقول : هذا المعنى - من حيث هو - صحيح ولا ريب ، ولكن الجزم بنسبة الجاحظ إلى التصحيف
والغط يتوقف على معرفة أن عثمان البتي البصري المتوفى سنة 143 كان من أئمة الفصاحة والحكمة
والأقوال المأثورة ، بحيث إن يونس بن حبيب - الإمام العلم في العربية واللسان - يقول فيه هذه الكلمة وهو
يعلم ا وراءها ، ومن يغمط حقه بسببها ! وهو يعلم أيضا أن الكوفة والبصرة عش أرباب روائع الكلام ! .
وقد علق معلق على حاشية مخطوطته من " البيان والتبين " خلاصة كلام السهيلي ولم ينسبه إليه ، وزاد
عليه الجزم بأن البتي " كان من الفصحاء " ! ( 1 ) . وعلى كل حال : فإن ثبت تصحيف الجاحظ ذلك فيكون هذا
من التصحيف المركب ، كالتصحيف الذي قبله .
وقد حصل تصحيف البتي إلى : النبي - مع إضافة " صلى الله عليه وسلم " إليه - لأحد الرواة الثقات : عبد الوهاب بن
عبد المجيد الثقفي ، فقد جزم بذلك الإمام أحمد في قصة ساقها الخطيب في " تاريخه " 2 : 80 فلتنظر
هناك ، فهي مثال على التصحيف المركب أيضا .
ومنه أيضا تلك الكلمة المنكرة في لفظها وفي نسبتها إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه : " لو أدركني
رسول الله - أو النبي صلى الله عليه وسلم - وأدركته : لأخذ بكثير من قولي " ! ! أسند هذا إليه الخطيب 13 : 378 ، 390 ،
فتعقبه العلامة الكوثري رحمه الله في " التأنيب " ص 75 ، 87 وأنها : لو أدركني البتي .
هذا ، وقد قال الإمام أحمد - وحسبك به - : " ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف ! " .
ومما هو على خطر الوقوع في الغلط أيضا - والشيء بالشيء يذكر - : الاعتماد على الكتب المرتبة على
غير ترتيب مؤلفيها ، يقصد بترتيبها تيسير الاستفادة منها .
1 " - قال الذهبي في " الميزان " 3 ( 5710 ، 5711 ) : " عكرمة بن خالد بن سلمة المخزومي ، عن أبيه ،
قال البخاري : منكر الحديث ، وقال النسائي : ضعيف . . . ، فأما : عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص
المخزومي : فمكي معروف ، ثقة ، من مشيخة ابن جريج ، أخطأ ابن حزم في تضعيفه - " المحلى " 7 : 303 -
وذلك أن أبا محمد - ابن حزم - فيما حكاه ابن القطان ، كان وقع إليه كتاب الساجي في الرجال ، فاختصره
ورتبه على الحروف ، فزلق في هذا الرجل بالذي قبله ، ولم يتفطن لذلك . وهذا الرجل وثقه ابن معين وأبو
زرعة والنسائي " .
الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة — صفحة 169
مساهمون: الذهبي
ص١٦٩