وأنت بالخيار في الأخذ بأيّ من النظريّتين : ما سبق للّه ولرسوله وخلفائه وأصحابه المجتهدين العدول ، أو ما يقول هؤلاء الأبناء ومن شاكلهم من المتعسّفين الناحتين للرجل أعذارا هي أفظع من جرائمه .
الأمر الثاني : ثاني الأمرين « 1 » اللّذين ينتهي إليهما دفاع ابن حجر عن معاوية ، قوله في الصواعق « 2 » :
فالحقّ ثبوت الخلافة لمعاوية من حينئذ وأنّه بعد ذلك خليفة حقّ وإمام صدق ؛ كيف ، وقد أخرج الترمذي « 3 » وحسّنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال لمعاوية : أللّهمّ اجعله هاديا مهديا ؟ !
وأخرج أحمد في مسنده « 4 » عن العرباض بن سارية ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : أللّهمّ علّم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب .
وأخرج « 5 » ابن أبي شيبة في المصنّف ، والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير « 6 » ، قال : قال معاوية : ما زلت أطمع في الخلافة مذ قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا معاوية ! إذا ملكت فأحسن .
فتأمّل دعاء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الحديث الأوّل بأنّ اللّه يجعله هاديا مهديّا .
والحديث حسن كما علمت ؛ فهو ممّا يحتجّ به على فضل معاوية ، وأنّه لا ذمّ يلحقه بتلك الحروب ؛ لما علمت أنّها مبنيّة على اجتهاد ، وأنّه لم يكن له إلّا أجر واحد ؛ لأنّ المجتهد إذا أخطأ لا ملام عليه ، ولا ذمّ يلحقه بسبب ذلك لأنّه معذور ، ولذا كتب له أجر .
هامش
( 1 ) - وقد مرّ ذكر أوّلهما ص 34 .
( 2 ) - الصواعق المحرقة : 130 [ ص 218 - 219 ] .
( 3 ) - سنن الترمذي [ 5 / 645 ، ح 3842 ] .
( 4 ) - مسند أحمد [ 5 / 111 ، ح 16702 ] .
( 5 ) - المصنّف لابن أبي شيبة [ 11 / 148 ، ح 10764 ] ؛ المعجم الكبير [ 19 / 361 ، ح 850 ] .
( 6 ) - [ في الأصل : عمر ، وصوّبناه من معجم الطبراني ومصنّف ابن أبي شيبة وعدّة من مصادر ترجمته ذكرناها في ص 1175 من كتابنا تلخيص الغدير عند بيان حاله ] .