اجتهاد بادروا إلى الفرقة ، وتحمّلوا أوزارها ، ولم تتجلّ لهم حقيقة الأمر ولباب الحقّ ؟ ! لكنّهم ابتغوا الفتنة ، وقلّبوا له الأمور ، ألا في الفتنة سقطوا « 1 » .
ومن أعجب ما يتراءى من مفعول الاجتهاد في القرون الخالية : أنّه يبيح سبّ عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام وسبّ كلّ صحابيّ احتذى مثاله ، ويجوّز لأيّ أحد كيف شاء وأراد لعنهم ، والوقيعة فيهم ، والنيل منهم ، في خطب الصلوات ، والجمعات ، والجماعات ، وعلى صهوات المنابر ، والقنوت بها ، والإعلان بذلك في الأندية والمجتمعات ، والخلأ والملأ ، ولا يلحق لفاعلها ذمّ ولا تبعة ، بل له أجر واحد لاجتهاده خطأ ، وإن كان هو من حثالة الناس ، وسفلة الأعراب ، وبقايا الأحزاب ، البعداء عن العلوم والمعارف .
وأمّا عليّ وشيعته فلا حقّ لهم في بيان ظلامتهم عند مناوئيهم ، والوقيعة في خصمائهم ، ومبلغ إسفافهم إلى هوّة الضلالة ، على حدّ قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
« 2 » ، وليس لأحدهم في الاجتهاد في ذلك كلّه نصيب ، ولو كان ضليعا في العلوم كلّها ؛ فإن أحد منهم نال من إنسان من أولئك الظالمين فمن الحقّ ضربه وتأديبه ، أو تعذيبه وإقصاؤه ، أو التنكيل به وقتله ، ولا يؤبه باجتهاده المؤدّي إلى ذلك صوابا أو خطأ . وعلى هذا عمل القوم منذ أوّل يوم أسّس أساس الظلم والجور ، وهلمّ جرّا حتّى اليوم الحاضر .
راجع معاجم السيرة والتاريخ ؛ فإنّها نعم الحكم الفصل . وبين يديك كلمة ابن حجر في الصواعق « 3 » قال في لعن معاوية :
وأمّا ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبّه ولعنه فله فيه أسوة ، أي : أسوة بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة ، فلا يلتفت لذلك ، ولا يعوّل عليه ؛ فإنّه
هامش
( 1 ) - [ راجع سورة التوبة / 48 - 49 ] .
( 2 ) - النساء : 148 .
( 3 ) - الصواعق المحرقة : 132 [ ص 219 ] .