إذا حدثتهم ، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك ، فاعزب
عن الدنيا وانبذها وراءك ، فإنها ليست لك بدار ، ولا لك فيها محل
قرار ، وإنها جعلت بلغة للعباد ، ليتزودوا منها للمعاد ، ويا موسى !
وطن نفسك على الصبر تلق الحلم ، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم ،
ورض نفسك على الصبر تخلص من الاثم ، يا موسى ! تفرغ للعلم
إن كنت تريده ، فان العلم لمن تفرغ ، ولا تكونن مكثارا
بالنطق مهذارا ( 1 ) ، فان كثرة النطق تشين العلماء ، وتبدي مساوي
السخفاء ، ولكن عليك بالاقتصاد ، فان ذلك من التوفيق والسداد ،
وأعرض عن الجهال وباطلهم ، وأحلم عن السفهاء ، فان ذلك فعل
الحكماء وزين العلماء ، إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما وحنانة
وحرما ، فان ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أعظم وأكبر ،
يا ابن عمران ! ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا ، فان الاندلاث
والتعسف من الاقتحام والتكلف ، يا ابن عمران ! لا تفتحن بابا
لا تدري ما غلقه ، ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه ! يا ابن عمران !
من لا ينتهي من الدنيا نهمته ( 2 ) ولا ينقضى منها رغبته كيف
هامش
( 1 ) مهذارا : أي كثير الكلام . اه 5 / 256 النهاية . ب
( 2 ) نهمته : النهمة : بلوغ الهمة بالشئ . اه 5 / 138 النهاية . ب