فتذاكرنا العقل والأدب فقال : يا أبا هاشم العقل حباء من الله والأدب كلفة ، فمن
تكلف الأدب قدر عليه ، ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلا جهلا .
19 - علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن
جبلة ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : جعلت فداك إن
لي جارا كثير الصلاة ، كثير الصدقة ، كثير الحج لا بأس به ( 1 ) قال : فقال : يا إسحاق
كيف عقله ؟ قال : قلت له : جعلت فداك ليس له عقل ، قال : فقال : لا يرتفع بذلك منه .
20 - الحسين بن محمد ، عن أحمد بن محمد السياري ، عن أبي يعقوب البغدادي
قال : قال ابن السكيت لأبي الحسن عليه السلام لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام
بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب ؟ وبعث محمدا - صلى الله عليه وآله
وعلى جميع الأنبياء - بالكلام والخطب ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : إن الله لما
بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن
في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم ، وإن الله بعث
عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات ( 3 ) واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم
من عند الله بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيى لهم الموتى ، وأبرء الأكمه والأبرص
بإذن الله ، وأثبت به الحجة عليهم .
وإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام
هامش
( 1 ) أي لم يظهر منه عداوة لأهل الدين وشدة على المؤمنين أو لم يطلع منه على معصية .
( 2 ) ابن السكيت بكسر السين وشد الكاف هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي
الأهوازي الشيعي أحد أئمة اللغة والأدب ، ذكره كثير من المؤرخين وأثنوا عليه وكان ثقة جليلا
من عظماء الشيعة ويعد من خواص الامامين التقيين عليهما السلام وكان حامل لواء علم العربية والأدب
والشعر واللغة والنحو ، له تصانيف كثيرة مفيدة منها كتاب تهذيب الألفاظ وكتاب إصلاح المنطق
قتله المتوكل في خامس شهر رجب سنة 244 وسببه أن المتوكل قال له يوما : أيما أحب إليك ابناي
هذان اي المعتز والمؤيد أم الحسن والحسين عليهما السلام ؟ فقال ابن السكيت : والله إن قنبرا خادم
علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك فقال المتوكل للأتراك : سلوا لسانه من قفاء ففعلوا فمات ،
وقيل : أثنى على الحسن والحسين عليهما السلام ولم يذكر ابنيه فامر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه
فحمل إلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم رحمة الله عليه .
( 3 ) " الزمانات " الآفات الواردة على بعض الأعضاء فيمنعها عن الحركة كالفالج واللقوة ،
ويطلق المزمن على مرض طال زمانه .