بما خلق اكتفى ، علم ما خلق وخلق ما علم ، لا بالتفكير في علم حادث أصاب ما خلق ، ولا
شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق ، لكن قضاء مبرم وعلم محكم وأمر متقن ، توحد بالربوبية
وخص نفسه بالوحدانية واستخلص بالمجد والثناء وتفرد بالتوحيد والمجد والسناء
وتوحد بالتحميد وتمجد بالتمجيد وعلا عن اتخاذ الأبناء وتطهر وتقدس عن ملامسة
النساء وعز وجل عن مجاورة الشركاء ، فليس له فيما خلق ضد ولا له فيما ملك ند
ولم يشركه في ملكه أحد ، الواحد الاحد الصمد المبيد للأبد ( 1 ) والوارث للأمد ، الذي
لم يزل ولا يزال وحدانيا أزليا ، قبل بدء الدهور وبعد صروف الأمور ، الذي لا يبيد
ولا ينفد ، بذلك أصف ربي فلا إله إلا الله ، من عظيم ما أعظمه ؟ ! ومن جليل ما أجله ؟ !
ومن عزيز ما أعزه ؟ ! وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
وهذه الخطبة من مشهورات خطبه عليه السلام حتى لقد ابتذلها العامة ( 2 ) وهي كافية
لمن طلب على التوحيد إذا تدبرها وفهم ما فيها ، فلو اجتمع ألسنة الجن والإنس ليس
فيها لسان نبي على أن يبينوا التوحيد بمثل ما أتى به - بأبي وأمي - ما قدروا عليه
ولولا إبانته عليه السلام ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد ، ألا ترون إلى قوله : " لا من
شئ كان ولا من شئ خلق ما كان " فنفى بقوله " لا من شئ كان " معنى الحدوث ، وكيف
أوقع على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال ، نفيا لقول من قال : إن
الأشياء كلها محدثة بعضها من بعض وإبطالا لقول الثنوية الذين زعموا أنه لا يحدث شيئا
إلا من أصل ولا يدبر إلا باحتذاء مثال ، فدفع عليه السلام بقوله : " لا من شئ خلق ما كان " جميع
حجج الثنوية وشبههم ، لان أكثر ما يعتمد الثنوية ( 3 ) في حدوث العالم أن يقولوا لا يخلو
من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شئ أو من لا شئ فقولهم : من شئ خطأ وقولهم من
لا شئ مناقضة وإحالة ، لان " من " توجب شيئا " ولا شئ " تنفيه ، فأخرج أمير المؤمنين عليه السلام
هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ وأصحها فقال : لا من شئ خلق ما كان ، فنفى " من " إذ كانت
هامش
( 1 ) أي المهلك للدهر . وفى بعض النسخ [ المؤبد للأبد ] .
( 2 ) أي اشتهرت بينهم فكأنها صارت مبتذلة ، ( ولولا ابانته ) أي تمييزه الحق عن الباطل .
( 3 ) لعل المراد بالثنوية غير المصطلح من القائلين بالنور والظلمة بل القائلين بالقدم وانه
لا يوجد شئ الا عن مادة ، لان قولهم بمادة قديمة إثبات لاله آخر إذ لا يعقل التأثير في التقديم . ( آت ) .