بل توالت الحروب على دولة بنى مروان ، بقيام دولة عبد الله بن
الزبير ، وخروج الخوارج ، وقيام الفتن ، ومنها فتنة ابن الأشعث وقد
انضم إليها العلماء . وخروج زيد بن علي زين العابدين ، وخذلان أهل
الكوفة له سنة 121 كما خذلوا جده سنة 61 . فاستشهد زيد ومثل
برأسه ( 1 ) الخليفة هشام بن عبد الملك ، ثم استشهد ابنه يحيى سنة 125 .
* * *
وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين شجرة باسقة .
تترعرع في كل ورقة من أوراقها خصيصة من خصائص أهل البيت
في عصر جديد للعم . تعاونت فيه أجيال ثلاثة متتابعة منه ومن أبيه وجده .
ولما استمسك بإمامته وقنع بمنصبه التعليمي ، علا قدره في أعين
طلاب السلطة . وأمنوا جانبه . واتخذوا من زهده فيها شهادة لهم ضد
من ينازعونهم .
لكنه كان الغرض الذي تنجذب إليه الأنظار : فهو يمثل العقيدة
الدينية التي يقاس بفضائلها عمل الحكام في الإسلام ، وما يتبعه من
رضى العامة عنهم ، أو سخطها عليهم .
وهو - بوجه خاص - حجر الزاوية من صرح ( أهل البيت ) ترنو
إليه أبصار الذين يدعون الخلافة بدعوى أنهم من " أهل البيت " .
وهو مقيم في المدينة ، العاصمة الأولة ، والدائمة ، للإسلام ، يتحلق
فيها المتفقهة ، حول علماء الإسلام في مسجد الرسول ، يحملون بأيديهم
مصابيح السنة ، أو يعلنون شرعية الحكومة أو عدمها ، وحسن السيرة
أو فسادها ، وإقرار أهل العلم أو إنكارهم . وهي أمور أساسية ، تحرص
عليها الدولة العادلة ، وتتجنب الاتهام بمخالفتها أي دولة .
هامش
( 1 ) لم تمض أعوام حتى دالت دولة بنى مروان ، ونبش العباسيون قبور معاوية وابنه
يزيد وعبد الملك بن مروان فلم يجدوا فيها ما يصنعون فيه مثلة . أما قبر هشام فوجدوا فيه جثة
هشام لم تبل بعد ، فصنعوا فيها أكثر مما صنع برأس زيد . إذا أمر السفاح بضر بالسياط وصلبها
وحرقها وتذريتها في الهواء .