التجربة والاستخلاص
أتيحت للإمام الصادق حقبة طويلة للتعليم يتلقاه أو يلقيه . فلم يحبس
كمثل ما حبس الكثيرون من أهل بيته . أو يقتل كما قتل عظماؤهم .
ولم يصطدم مذهبه الفقهي بمذهب فقهي للسلطان . فبنو أمية وبنو العباس ، حتى عهده ، لم يكن لهم مذهب فقهي - أن لم تظهر المذاهب " رسميا " إلا في
أخريات القرن الثاني للهجرة ، عندما صير أبو يوسف مذهب أبي حنيفة مذهب
السلطان . استعصمت المدينة بفقهها ، ثم ظهر الشافعي في أواخر القرن الثاني .
ولم يصطدم الإمام بمذهب سياسي للخليفة - أن لم يظهر اعتناق
الدولة للاعتزال إلا في عصر المأمون في فاتحة القرن الثالث .
وكان الجهميون والقدريون مستضعفين . ولم يكن لمناقشات أصحاب
الملل والنحل شأن يستلفت النظر .
بهذا أتيح للإمام في مجلسه العلمي ، واقتداره الذي يسلم به الجميع . أن
يرسي في أمنة واطمئنان . قواعد " منهج علمي " ما يزال يعبر القرون باعتباره
فتحا من الفتوح التي فتحها الله على البشر .
وفحوى المنهج أن العلم " مشاهدة " و " نزاهة فكرية " في " استخلاص "
النتائج لا يقبل الله سواها من عالم أو متعلم .
في هذا الفحوى قول الإمام " اطلبوا العلم . فإنه السبب بينكم وبين الله " .
- والسبب إلى الله لا يقوى الا بقلب خاشع . ومن ثم وجب إخلاص
النية فيه ، وصدق الهمة في تلقيه ، وقبول حقائقه دون تلويثها بشوائب الهوى
أو الغرض أو المقررات السابقة . أو العوامل الخارجية .
وبهذه الخصائص تصبح " النزاهة العلمية " سمعتا للعبادة وشأوا للسيادة -
يقول الإمام ( الملوك حكام على الناس والعلم حاكم عليهم . . حسبك من العلم
أن تخشى الله . وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك ) .
الإمام جعفر الصادق ( ع ) — صفحة 281
مساهمون: عبد الحليم الجندي
ص٢٨١