ولقد يدخل عليه سفيان الثوري وفيه قول القائل ( ما رأيت الغتى أذل
منه في مجلس الثوري ولا الفقير أعز منه في مجلس الثوري ) . والذين يجلون
ورع الإمام أحمد بن حنبل يشبهونه فيه بسفيان الثوري . وسفيان الثوري
يسمى ( أمير المؤمنين في الحديث ) . وحسبه أن يكون من تلاميذه في الحديث
ابن جريح إمام مكة والأوزاعي إمام الشام ومالك بن أنس إمام المدينة ،
وابن اسحق امام المحدثين في السيرة . وهو فوق كل ذلك إمام عامل . رمى كتاب
المهدى له في دجلة - وفيه توليته للقضاء - وهرب من السلطان فولى شريكا
بدله .
وكان سفيان كثير المغاضبة للخلفاء - ولهذا كثر ما كان الخليفة يطلب
دمه ، وكان يختفي عن عيونه .
يستأذن سفيان على الإمام . فلا يرفض الإذن بل يدخله ليعلن له أن
ظهوره في المجلس العلمي ، وهو مختف ، أمر غير سائغ . صيانة للمجلس
العلمي من أن يكون مجلس المطلوبين ، وحماية للمطلوب ذاته . وحفظا لعلاقة
الإمام بالخليفة . ومع ذلك لا يضن الإمام عليه بالحكمة .
يقول ابن أبي حازم : ( كنت عند جعفر الصادق يوما وإذا بسفيان الثوري
بالباب فقال : إيذن لي . فدخل . فقال له جعفر : إنك رجل يطلبك
السلطان في بعض الأحيان . ونحضر عنده وأنا أتقى السلطان . فأخرج عنى
غير مطرود .
قال سفيان : " حدثني حديثا أسمعه وأقوم " .
قال الإمام ( حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال ( من أنعم الله عليه نعمة فليحمد الله . ومن استبطأ
الرزق فليستغفر الله ، ومن حزنه أمر فليقل : لا حول ولا قوة إلا بالله )
طلب إليه سفيان يوما أن يعظه . فقال : يا سفيان لا مروءة لكذوب
ولا أخ لملول . ولا راحة لحسود . ولا سؤدد لسئ الخلق ) . فقال
سفيان زدني . قال ( يا سفيان ثق بالله تكن مؤمنا . وارض بما قسم
الله تكن غنيا . وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما . ولا تصحب .
الإمام جعفر الصادق ( ع ) — صفحة 182
مساهمون: عبد الحليم الجندي
ص١٨٢