وبعضها الكف عن الشهوات واللذات ، كالصوم ، وبعضها التجرد لذكر الله
وتوجيه القلب إليه ، وارتكاب تحريك الأعضاء وتعبها ، كالصلاة ، والحج
من بينها مشتمل على جميع هذه الأمور مع الزيادة ، إذ فيه هجران أوطان ،
وإتعاب أبدان ، وإنفاق أموال ، وانقطاع آمال ، وتحمل مشاق . وتجديد
ميثاق ، وحضور مشاعر ، وشهود شعائر ، ويتحقق في أعماله التجرد لذكر
الله ، والإقبال عليه بضروب الطاعات والعبادات ، مع كون أعماله أمورا
لا تأنس بها النفوس ، ولا تهتدي إلى معانيها العقول ، كرمي الجمار بالأحجار ،
والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار ، إذ بمثل هذه الأعمال
يظهر كمال الرق والعبودية ، فإن سائر العبادات أعمال وأفعال يظهر وجهها
للعقل ، فللنفس إليها ميل ، وللطبع بها أنس .
وأما بعض أعمال الحج ، كرمي الجمار وترددات السعي ، فلاحظ
للنفس ولا أنس للطبع فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها ، فلا يكون
الإقدام عليها إلا لمجرد الأمر وقصد الامتثال له من حيث أنه أمر واجب
الاتباع ، ففيها عزل العقل عن تصرفه ، وصرف النفس والطبع عن محل
أنسه ، فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما ، فيكون ذلك
الميل معينا للامتثال ، فلا يظهر به كمال الرق والانقياد ولذلك قال النبي
( ص ) في الحج على الخصوص : ( لبيك بحجة حقا وتعبدا ورقا ! ) ،
ولم يقل ذلك في غيره من العبادات . فمثل هذه العبادات - أي ما لم يهتد
العقل إلى معناه ووجه - أبلغ أنواع العبادات في تزكية النفوس وصرفها
عن مقتضي الطبع والبغي إلى الاسترقاق ، فتتعجب بعض الناس من هذه
الأفعال العجيبة مصدره الجهل بأسرار التعبدات ، وهذا هو السر في وضع
الحج ، مع دلالة كل عمل من أعماله على بعض أحوال الآخرة ، أو في بعض
أسرار أخر - كما يأتي - ما فيه من اجتماع أهل العالم في موضع تكرر
فيه نزول الوحي ، وهبوط جبرئيل وغيره من الملائكة المقربين على رسوله
المكرم ، ومن قبله على خليله المعظم - عليهما أفضل الصلاة - بل لا يزال
مرجعا ومنزلا لجميع الأنبياء ، من آدم إلى خاتم ، ومهبطا للوحي ، ومحلا
لنزول طوائف الملائكة . وقد تولد فيه سيد الرسل ( ص ) وتوطأت أكثر
جامع السعادات — صفحة 307
مساهمون: ملا محمد مهدي النراقي
ص٣٠٧