فمنهم من يحبه بكل قلبه . ومنهم من لا يحبه بكل قلبه ، بل يحب معه
غيره أيضا من الأهل والولد والمال ، فلا جرم يكون فرحه بلقاء الله عند
القدوم عليه على قدر حبه وكراهته لفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه
لها ، وإن كانت كراهته للموت لأجل إرادته الاستعداد والتهيؤ للقاء الله ،
ومشاهدته بتحصيل زيادة العلم والعمل ، لا لحب الأهل والمال ، ولا للتأسف
على فراق الدنيا ، فهو لا يدل ضعف الحب ولا ينافي أصله ، وهو كالمحب
الذي وصل إليه خبر قدوم حبيبه ، فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليعمر
داره ويفرشها ويهيأ أسبابها ، ليلقاه فارغ القلب عن الشواغل ، وعلامة
ذلك الجد في العمل ، واستغراق الهم في تحصيل المعرفة ، والاستعداد للآخرة .
الثانية - أن يؤثر مراد الله - سبحانه - على مراده ، إذ المحب
لا يخالف هوى محبوبه لهوى نفسه ، كما قيل :
أريد وصاله ويريد هجري * فأترك ما أريد لما يريد
فمن كان محبا لله : يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ، ويحترز عن اتباع
الشهوات ، ويدع الكسالة والبطالة ، ولا يزال مواضبا على طاعته وانقياده
ويكون مبتهجا متنعما بالطاعة ولا يشغلها ، ويسقط عنه تعبها . وقد روي :
( أن زليخا لما آمنت ، وتزوج بها يوسف ( ع ) ، انفردت عنه ، وتخلت
للعبادة ، وانقطعت إلى الله - تعالى - ، وكان يوسف يدعوها إلى فراشه
نهارا فتدافعه إلى الليل ، وإذا دعاها ليلا سوفت إلى النهار ، فعاتبها في ذلك
فقالت يا رسول الله ! إنما كنت أحبك قبل أن أعرف ربك ، فأما إذ عرفته
فلا أؤثر على محبته محبة من سواه ، وما أريد به بدلا ) . ثم الحق أن
العصيان يضاد كمال المحبة لا أصلها ، ولذا قد يأكل الرجل المريض ما يضره ،
ويزيد في مرضه مع أنه يحب نفسه ، ويحب صحته ، والسبب ضعف المعرفة
وغلبة الشهوة ، فيعجز عن القيام بحق المحبة .
الثالثة - ألا يغفل عن ذكر الله - سبحانه - ، بل يكون دائما
مستهترا بذكره ، إذ من أحب شيئا أكثر ضرورة ذكره وذكر ما يتعلق به
فمحب الله لا يخلو عن ذكر الله وذكر رسوله وذكر القرآن وتلاوته ، لأنه
كلامه ، ويكون محبا للخلوة ليتفرد بذكره وبمناجاته ، ويكون له كمال
جامع السعادات — صفحة 141
مساهمون: ملا محمد مهدي النراقي
ص١٤١