مع الحرْصِ والشَّرَه ( 1 ) .
( كَلاَّ ) رَدْعٌ عن ذلكَ وإنْكَارٌ لِفِعْلِهِم ، ثمَّ أَتَى بالوَعيدِ ، وذَكَرَ تَحَسُّرَهُم عنْدَما
فَرَّطُوا فيهِ حينَ لا تَنْفَعُ الحَسْرَةُ . و ( يَوْمَئِذ ) بَدَلٌ مِن ( إِذَا دُكَّتِ الأْرْضُ ) وظَرْفٌ
ل ( يَتَذَكَّرُ ) . ( دَكًّا دَكًّا ) أي : دكّاً بَعْدَ دَكٍّ ، أي : كَرَّرَ عليها دَكَّ جِبَالِهَا وأَنْشَازِها
حتَّى اسْتَوَتْ قَاعاً صَفْصَفاً .
( وَجَآءَ رَبُّكَ ) هذا تَمثيلُ لِظُهُورِ آياتِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ ، مَثَّلَ ذلكَ بحَالِ المَلِكِ
إذا حَضَرَ بنَفْسِهِ ظَهَرَ بحُضُورِهِ من آثارِ الهَيْبَةِ والسياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بحُضُورِ مَنْ سِوَاهُ
من جُنُودِهِ وخَوَاصِّهِ . ( وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) أي : يَنْزلُ ملائكةُ كلِّ سَمَاء فَيَصْطَفُّونَ
صَفّاً بَعْدَ صَفٍّ ، ( وَجِاْىءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ ) كقَولِهِ : ( وَبُرِّزَتِ الجَحِيم ) ( 2 ) .
وعنْ أبي سَعيد الخُدَريّ : أنَّها لمَّا نَزَلَتْ تَغَيَّرَ وَجْهُ رسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعُرِفَ
في وَجْهِهِ ، حتَّى اشتَدَّ على أَصْحابِهِ ، فَأَخْبروا عليّاً ( عليه السلام ) ، فَجَاءَ فاحتَضَنَهُ من خَلْفِه ،
ثمَّ قَبَّلَ بينَ عاتِقَيْهِ ثمَّ قَالَ : يا نبيَّ الله ، بأبي أَنتَ وأُمِّي ، ما الذي حَدَث اليَوْمَ ؟ فَقالَ :
جَاءَ جبرائيل ( عليه السلام ) اليَوْمَ فأَقْرَأَني ، وتَلاَ الآيةَ عليهِ ، فَقَالَ لَهُ عليٌّ ( عليه السلام ) : كَيفَ يُجَاءُ
بها ؟ قَالَ : يَجِيءُ بها سبعُونَ أَلْف مَلَك يَقُودُونَها بسبعينَ أَلْف زِمَام ، فَتَشْردُ شَرْدَةً لَوْ
تُرِكَتْ لأَحْرَقَتْ أَهْلَ الجَمْع ، ثمَّ أَتَعَرَّضُ لجهنَّمَ فَتَقُولُ : مالِي ولكَ يا محمَّدٌ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
فَقَدَ حَرَّمَ اللهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ ، فلا يَبْقى أَحَدٌ إلاَّ يقُولُ : نَفْسي نَفْسي ، وإنَّ محمَّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم )
يقُولُ : أُمَّتي أُمَّتي ( 3 ) .
( يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الاِْنْسَنُ ) ما فَرَّطَ فيهِ ، أو : يَتَّعِظُ ( وَأَنَّى لَهُ الْذِّكْرَى ) أي :
وَمِن أَينَ لَهُ منْفَعَةُ الذِّكْرى ، لابُدَّ من تَقْديرِ حَذْفِ المُضَافِ ، وإلاَّ فَبَيْنَ ( يَتَذَكَّرُ )
هامش
( 1 ) في نسخة : " والشدَّة " .
( 2 ) الشعراء : 91 ، والنازعات : 36 .
( 3 ) أخرجه السيوطي في الدرّ : ج 8 ص 511 عن أبي سعيد وعزاه إلى ابن مردويه .