وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْىِ الْعِظمَ وَهِى رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُم
مِّنَ الشَّجَرِ الأْخْضَرِ نَارًا فَإِذَ آ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَدِر عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ
الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَ آ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( 82 )
فَسُبْحَنَ الَّذِي بِيَدِهِ ى مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 ) )
رُوِيَ : أَنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَف والعَاصَ بنَ وائِل جَاءَا بِعَظْم بَال مُتَفَتِّت ، وَقَالا : يا
محمَّد ، أَتَزْعَمُ أَنَّ اللهَ يَبعثُ هذا ؟ ! فَقَالَ : نَعَم ، فنزلت ( 1 ) .
قبَّحَ اللهُ سبحانَه إنْكَارَهُم البَعْثَ تَقْبيحَاً عَجيباً ، حيثُ قَرَّرَهُ بأَن خَلَقَهُم من
النُطْفَةِ التي هي أَخَسُّ شَيء ، ثمَّ عَجِبَ من حَالِهِم بأَن يَتَصَدَّوا مع مهانةِ مَبْدئِهِم
لِمُخاصَمَةِ الجبَّارِ ويقُولُوا : مَنْ يَقْدِر على إحياءِ الميِّتِ بعدَما رَمَّتْ عِظَامُهُ ؟ ثمَّ
يكونُ خِصَامُهُ في أَلْزمِ وَصْف لَهُ ، وهو كونُهُ مُنْشَأً من مَوات وهو ينكرُ الإِنْشَاءَ من
المَواتِ ! ! فهذه مُكابَرةٌ لا مَطْمَحَ وَرَاءَها ، وقيلَ : مَعَناهُ : ( فَإذَا هُوَ ) بَعدَ مَا كانَ ماءً
مَهِينَاً رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مِنْطِيقٌ قَادِرُ على هذا الخِصَامِ ، مُعْرِبٌ عمَّا في نفسِهِ فَصيحٌ ( 2 ) .
وسُمِّيَ قَولُهُ : ( مَنْ يُحْى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ) مَثَلاً لِمَا دَلَّ عليهِ من قصَّة عَجيبة
شَبيهة بالمَثَل ، وهي إنكارُ قُدرَةِ اللهِ تعالى على إحياءِ المَوتى ، أو : لِمَا فيهِ من
التَّشبيهِ ؛ لأنَّ مَا أنكرَ من قَبيلِ ما يُوصفُ الله بالقُدْرةِ عليهِ بَدليلِ النَّشْأَةِ الأُولى .
فإذا قيلَ : مَنْ يُحْيي العِظَامَ وهي رَميمٌ على طريقِ ( 3 ) الإِنْكارِ لأنْ يكُونَ ذلكَ ممَّاَ
هامش
( 1 ) رواه الواحدي في أسباب النزول : ص 308 ح 758 و 759 .
( 2 ) قاله الشيخ الطوسي في التبيان : ج 8 ص 477 .
( 3 ) في بعض النسخ : " سبيل الإنكار " .