الإنسان من لحوق ( 1 ) ما يعاب به ويذم ، واشتقاقه من الحياة ، يقال : حيي الرجل ،
كما يقال : نسي وحشي وشظي الفرس : إذا اعتلت منه هذه الأعضاء ، وجعل الحيي
لما يعتريه من الانكسار منتقص الحياة ، فمثل تركه سبحانه تخييب العبد لكرمه
بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه ، وكذلك المعنى في الآية : أن الله تعالى لا
يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها .
و * ( ما ) * هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت بنكرة زادته شياعا ، تقول : أعطني
شيئا ما ، أو هي صلة زيدت للتأكيد نحو التي في قوله : * ( فبما رحمة ) * ( 2 ) ،
والمعنى : أن الله لا يستحيي ولا يترك أن يتمثل للأنداد بما لا شئ أصغر منه وأقل ،
وانتصب * ( بعوضة ) * بأنها عطف بيان أو مفعول ل * ( يضرب ) * ، و * ( مثلا ) * حال
عن النكرة مقدمة عليه ، أو انتصبا مفعولين ل * ( يضرب ) * ، لأنه أجري مجرى جعل .
* ( فما فوقها ) * فيه معنيان : أحدهما : فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي
ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة ، والآخر : فما زاد عليها في الحجم ،
و * ( الحق ) * : الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ، يقال : حق الأمر إذا ثبت ووجب ،
و * ( ماذا ) * فيه وجهان : أحدهما : أن يكون " ذا " اسما موصولا بمعنى " الذي " فتكون
كلمتين ، والآخر : أن يكون " ذا " مركبة مع " ما " فتكون كلمة واحدة ، والضمير في
* ( أنه الحق ) * للمثل أو ل * ( أن يضرب ) * و * ( مثلا ) * نصب على التمييز .
سورة البقرة / 27
وقوله : * ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ) * جار مجرى التفسير والبيان
للجملتين المتقدمتين ، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين
به كلاهما موصوف بالكثرة ، وأن العلم بكونه حقا من باب الهدى ، وأن الجهل
هامش
( 1 ) في بعض النسخ : تخوف .
( 2 ) آل عمران : 159 .