وقد دل الحديث وما ذكر معه على كراهة الصلاة في المقبرة ، وهي للتحريم لظاهر
النهي في بعضها ، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها لان النهي يدل على فساد
النهي عنه ، وهو قول ابن حزم ، واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية ، والشوكاني في
( نيل الأوطار ) ( 2 / 112 ) ، وروى ابن حزم ( 4 / 27 - 28 ) عن الإمام أحمد أنه قال :
( من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا ) ( 1 )
ثم إن كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كل مكان منها سواء كان القبر أمام المصلي
أو خلفه أو عن يمينه ، أو عن يساره ، لان النهي مطلق ، ومن المقرر في علم الأصول
أن المطلق يجرى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده ، ولم يرد هنا شئ من ذلك ، وقد صرح
بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي ، فقال شيخ الاسلام ابن تيمية في
( الاختبارات العلمية ) ( ص 25 ) :
( ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها ، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك
وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة ، لأنه لا يتناوله اسم
المقبرة ، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا . وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا
الفرق ، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من
هامش
( 1 ) ثم قال ابن حزم :
( وكره الصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر أبو حنيفة والأوزاعي وسفيان ولم ير مالك بذلك بأسا !
واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المسكينة السوداء ! قال ابن حزم :
( وهذا عجب ناهيك به أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه ، فلا يجيزون أن نصلى
صلاة الجنازة على من دفن ، ثم يستبيحون ما ليس فيه أثر منه ولا إشارة ، مخالفة للسنن الثابتة . قال :
كل هذه الآثار حق ، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة ، وعلى القبر الذي
قد دفن صاحبه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نحرم ما نهى عنه ، ونعد من التقرب إلى الله تعالى أن نفعل !
مثل ما فعل فأمره ونهيه حق ، وفعله حق ، وما عدا ذلك فباطل ) .
قلت : وفيما قاله في صلاة الجنازة نظر ، لأنه لا نص على جوزها في المقبرة ولو كان ابن حزم من القائلين
فالقياس لقلنا أنه قاس ذلك على الصلاة على القبر : ولكنه يقول ببطلان القياس من أصله ، وصلاة الجنازة في
المقبرة خلاف السنة التي لم تأت إلا بصلاتها في المصلى وفي المسجد كما سبق بيانه في محله ، بل قد جاء النهي الصريح
عن الصلاة عليها بين القبور كما في رواية في حديث أنس المذكور في هذا الفصل ، وهو الحديث الثاني منه .