هو الثناء على الله : والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم ، والدعاء للميت ، وهو قول الثوري وغيره
من أهل الكوفة " . ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قلت : وهذا الحديث وما في معناه حجة عليهم ، لا يقال : ليس فيه التصريح بنسبة ذلك إلى النبي
صلى الله عليه وسلم لأننا نقول : أن قول الصحابي من السنة كذا . مسند مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم على
أصح الأقوال حتى عند الحنفية ، بل قال النووي في ، " المجموع " ( 5 / 232 ) :
" إنه المذهب الصحيح الذي قاله جمهور العلماء من أصحابنا في الأصول وغيرهم من الأصوليين والمحدثين " . قلت وبهذا جزم المحقق ابن الهمام في " التحرير " ، وقال شارحه ابن أمير حاج ( 2 / 224 ) :
" وهذا قول أصحابنا المتقدمين ، وبه أخذ صاحب الميزان والشافعية وجمهور المحدثين " .
قلت : وعليه فمن العجائب أن لا يأخذ الحنفية بهذا الحديث مع صحته ومجيئه من غير ما وجه ، ومع
صلاحيته لاثبات السنة على طريقتهم وأصولهم ! فقال الإمام محمد في " الموطأ " ( ص 175 ) :
" لا قراءة على الجنازة ، وهو قول أبي حنيفة " .
ومثله في " المبسوط " للسرخسي ( 2 / 64 ) .
ولما رأي بعض المتأخرين منهم بعد هذا القول عن الصواب ، ومجافاته عن الحديث ، قال بجواز قراءة
الفاتحة بشرط أن ينوي بها الدعاء والثناء على الله ! وإنما اشترطوا ذلك توفيقا منهم - بزعمهم - بين الحديث
وقول إمامهم ، فكأن قوله حديث آخر صحيح ، ينبغي قرنه مع الحديث الصحيح ثم الجمع بينهما ! ومع أن
هذا الشرط باطل في نفسه لعدم وروده ، فإنه يبطله ثبوت قراءة السورة مع الفاتحة في الحديث وهي مطلقة لا يمكن
اشتراط ذلك الشرط فيها أيضا !
وعندهم عجيبة أخرى ! وهي قولهم " أن قراء سبحانك - بعد التكبيرة الأولى من سنن الصلاة على الجنازة " ! مع أنه لا أصل لذلك في السنة كما تقدم التنبيه على ذلك في الحاشية ( ص 119 ) ، فقد جمعوا بين إثبات مالا
أصل له في السنة وإنكار مشروعية ما ورد فيها ! !
فإن قلت : قد قال المحقق ابن الهمام في " فتح القدير " ( 1 / 459 ) :
" قالوا : لا يقرأ الفاتحة ، إلا أن يقرأها بنية الثناء ، ولم تثبت القراءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
فأقول : وهذا القول من مثل هذا المحقق أعجب من كل ما سبق ، فإن ثبوت القراءة عنه صلى الله عليه وسلم
مما لا يخفى على مثله مع وروده في " صحيح البخاري " وغيره مما سبق بيانه ، ولذلك فإنه يغلب على الظن
أنه يشير بذلك إلى أن الحديث لا ينهض دليلا على إثبات القراءة لقوله فيه " سنة " بناء على الخلاف الذي سبق أن
ذكرناه ، فإن كان الامر كما فهذه عجيبة أخرى ، فإن مذهبه أو قول الصحابي سنة في حكم المسند المرفوع
إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم نقله من كتابه " التحير " ، وقد جروا على ذلك في فروعهم ، فخذ
مثلا على ذلك المسألة الآتية . قال في " الهداية " .
" إذا حملوا الميت على السرير أخذوا بقوائمه الأربعة ، بذلك وردت السنة ، وقال الشافعي : السنة أن
فقال ابن الهمام في صدد الرد على ما نسبوه إلى الشافعي :
" قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما ذهبوا إليه " .
ثم ساق من طريق أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال : " من اتبع الجنازة فليأخذ بجوانب السرير
كلها فإنه من السنة " . رواه ابن ماجة ( 1 / 451 ) والبيهقي ( 194 - 20 ) ، قال ابن همام :
" فوجب الحكم بأن هذا هو السنة ، وإن خلافه إن تحقق من بعض السلف فلعارض " .
فانظر كيف جعل قول ابن مسعود " من السنة " في حكم المرفوع ، ولم يجعل قول ابن عباس كذلك !
فهل مصدر هذا التناقض السهو أم التعصب للمذهب عفانا الله منه ؟ !
وهذا على فرض صحة ذلك عن ابن مسعود ، فكيف وهو غير صحيح ، لأنه منقطع ، أبو عبيدة لم يدرك
أباه كما في " الجوهر النقي " للتركماني الحنفي ولذلك أعرضت عن إيراد هذه السنة المزعومة في كتابنا هذا ،
كما أعرضنا عن مقابلها المنسوب للشافعي لعدم وروده