وقد تأول ذلك بعض أهل العربية أن معناه : وما هو على الغيب بضعيف ، ولكنه
محتمل له مطيق ، ووجهه إلى قول العرب للرجل الضعيف : هو ظنون .
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب : ما عليه خطوط مصاحف المسلمين
متفقة ، وإن اختلفت قراءتهم به ، وذلك بضنين بالضاد ، لان ذلك كله كذلك في
خطوطها .
فإذا كان ذلك كذلك ، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوله : وما محمد
على ما علمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس ، بل هو حريص على أن
تؤمنوا به وتتعلموه .
وقوله : وما هو بقول شيطان رجيم يقول تعالى ذكره : وما هذا القرآن بقول شيطان
ملعون مطرود ، ولكنه كلام الله ووحيه .
وقوله : فأين تذهبون يقول تعالى ذكره : فأين تذهبون عن هذا القرآن ، وتعدلون
عنه ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
28324 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فأين تذهبون
يقول : فأين تعدلون عن كتابي وطاعتي .
وقيل : فأين تذهبون ولم يقل : فإلى أين تذهبون ، كما يقال : ذهبت الشأم ،
وذهبت السوق . وحكي عن العرب سماعا : انطلق به الغور ، على معنى إلغاء الصفة ،
وقد ينشد لبعض بني عقيل :
تصح بنا حنيفة إذ رأتنا * وأي الأرض تذهب للصياح
بمعنى : إلى أي الأرض تذهب ؟ واستجيز إلغاء الصفة في ذلك للاستعمال . القول في
تأويل قوله تعالى :
* ( إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله
رب العالمين ) * .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 104
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٠٤