ذلك عامة قراء الكوفة غشوة بمعنى : أنه غشاه شيئا في دفعة واحدة ، ومرة واحدة ، بفتح
الغين بغير ألف ، وهما عندي قراءتان صحيحتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .
وقوله : فمن يهديه من بعد الله يقول تعالى ذكره : فمن يوفقه لإصابة الحق ،
وإبصار محجة الرشد بعد إضلال الله إياه أفلا تذكرون أيها الناس ، فتعلموا أن من فعل
الله به ما وصفنا ، فلن يهتدي أبدا ، ولن يجد لنفسه وليا مرشدا .
القول في تأويل قوله تعالى :
* ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن
هم إلا يظنون ) * .
يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء المشركون الذين تقدم خبره عنهم : ما حياة إلا حياتنا
الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبا منهم بالبعث بعد الممات . كما :
24137 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وقالوا ما هي إلا
حياتنا الدنيا : أي لعمري هذا قول مشركي العرب .
وقوله : نموت ونحيا نموت نحن وتحيا أبناؤنا بعدنا ، فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم
حياة لهم ، لأنهم منهم وبعضهم ، فكأنهم بحياتهم أحياء ، وذلك نظير قول الناس : ما مات
من خلف ابنا مثل فلان ، لأنه بحياة ذكره به ، كأنه حي غير ميت ، وقد يحتمل وجها آخر ،
وهو أن يكون معناه : نحيا ونموت على وجه تقديم الحياة قبل الممات ، كما يقال : قمت
وقعدت ، بمعنى : قعدت وقمت والعرب تفعل ذلك في الواو خاصة إذا أرادوا الخبر عن
شيئين أنهما كانا أو يكونان ، ولم تقصد الخبر عن كون أحدهما قبل الآخر ، تقدم المتأخر
حدوثا على المتقدم حدوثه منهما أحيانا ، فهذا من ذلك ، لأنه لم يقصد فيه إلى الخبر عن
كون الحياة قبل الممات ، فقدم ذكر الممات قبل ذكر الحياة ، إذ كان القصد إلى الخبر عن
أنهم يكونون مرة أحياء وأخرى أمواتا .
وقوله : وما يهلكنا إلا الدهر يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء المشركين أنهم
قالوا : وما يهلكنا فيفنينا إلا مر الليالي والأيام وطول العمر ، إنكارا منهم أن يكون لهم رب
يفنيهم ويهلكهم .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 197
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٩٧