حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن
مجاهد ، مثله .
واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : رب أنزلني منزلا
مباركا بضم الميم وفتح الزاي ، بمعنى : أنزلني إنزالا مباركا . وقرأه عاصم : منزلا بفتح
الميم وكسر الزاي ، بمعنى : أنزلني مكانا مباركا وموضعا .
وقوله : إن في ذلك لآيات يقول تعالى ذكره : إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد من
إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام ، لعبرا لقومك من
مشركي قريش ، وعظات وحججا لنا ، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم ، فينزجروا عن
كفرهم ويرتدعوا عن تكذيبك ، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب . وقوله :
وإن كنا لمبتلين يقول تعالى ذكره : وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا ، لننظر ما هم
عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ئ فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من
إله غيره أفلا تتقون ) * .
يقول تعالى ذكره : ثم أحدثنا من بعد مهلك قوم نوح قرنا آخرين فأوجدناهم .
فأرسلنا فيهم رسولا منهم داعيا لهم ، إن اعبدوا الله يا قوم ، وأطيعوه دون الآلهة
والأصنام ، فإن العبادة لا تنبغي إلا له . ما لكم من إله غيره يقول : ما لكم من معبود
يصلح أن تعبدوا سواه . أفلا تتقون : أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه ، وهو
الاله الذي لا إله لكم سواه . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما
هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ) * .
يقول تعالى ذكره : وقالت الاشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح . وعنى
بالرسول في هذا الموضع : صالحا ، وبقومه : ثمود . الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة
يقول : الذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بلقاء الآخرة يعني كذبوا بلقاء الله في الآخرة .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 25
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٥