التي افتتحت أوائلها بحروف المعجم ، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبل ، فأغنى عن إعادته في
هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ذكر رحمة ربك عبده زكريا ئ إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب
إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ) * .
اختلف أهل العربية في الرافع للذكر ، والناصب للعبد ، فقال بعض نحويي البصرة
في معنى ذلك كأنه قال : مما نقص عليك ذكر رحمة ربك عبده ، وانتصب العبد بالرحمة كما
تقول : ذكر ضرب زيد عمرا . وقال بعض نحويي الكوفة : رفعت الذكر بكهيعص ، وإن
شئت أضمرت هذا ذكر رحمة ربك ، قال : والمعنى ذكر ربك عبده برحمته تقديم وتأخير .
قال أبو جعفر : والقول الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يقال : الذكر مرفوع
بمضمر محذوف ، وهو هذا كما فعل ذلك في غيرها من السور ، وذلك كقول الله : براءة
من الله ورسوله وكقوله : سورة أنزلناها ونحو ذلك . والعبد منصوب بالرحمة ،
وزكريا في موضع نصب ، لأنه بيان عن العبد ، فتأويل الكلام : هذا ذكر رحمة ربك عبده
زكريا .
وقوله : إذ نادى ربه نداء خفيا يقول حين دعا ربه ، وسأله بنداء خفي ، يعني : وهو
مستسر بدعائه ومسألته إياه ما سأل كراهته منه للرياء ، كما :
17682 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إذ نادى
ربه نداء خفيا أي سرا ، وإن الله يعلم القلب النقي ، ويسمع الصوت الخفي .
17683 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ،
قوله : إذ نادى ربه نداء خفيا قال : لا يريد رياء .
17684 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن
السدي ، قال : رغب زكريا في الولد ، فقام فصلى ، ثم دعا ربه سرا ، فقال : رب إني وهن
العظم مني . . . إلى واجعله رب رضيا .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 57
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٥٧