وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ،
عن ابن عباس ، قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فهذا مثل ضربه الله
احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها ، فأما الشك فلا ينفع معه العمل ، وأما اليقين
فينفع الله به أهله ، وهو قوله : فأما الزبد فيذهب جفاء وهو الشك ، وأما ما ينفع الناس
فيمكث في الأرض وهو اليقين ، كما يجعل الحلي في النار ، فيؤخذ خالصه ويترك خبثه
في النار ، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك .
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ،
عن ابن عباس قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا
يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ومما يوقدون عليه في النار فهو
الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد ، وللنحاس والحديد خبث ، فجعل الله
مثل خبثه كزبد الماء فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة ، وأما ما ينفع الأرض فما
شربت من الماء فأنبتت . فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله ، والعمل السيئ
يضمحل عن أهله ، كما يذهب هذا الزبد ، فكذلك الهدى والحق جاء من عند الله ، فمن
عمل بالحق كان له وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض ، وكذلك الحديد لا يستطاع أن
يجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتؤكل خبثه ، فيخرج جيده فينتفع به ،
فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال ، فيريغ الباطل
ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق ، ثم قال : ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع
زبد مثله .
حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في
قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية . . . إلى : أو متاع زبد مثله فقال : ابتغاء
حلية الذهب والفضة ، أو متاع الصفر والحديد . قال : كما أوقد على الذهب والفضة
والصفر والحديد فخلص خالصه ، قال : كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد
فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا .
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، قال :
قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول : أنزل من السماء ماء
فسالت أودية بقدرها قال : ما أطاقت ملأها فاحتمل السيل زبدا رابيا قال : انقضى
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 177
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٧٧