يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها ، وهي السراء ، لأنها تسر أهلها .
وجهل المساكين شكر نعمة الله ، وأغفلوا من جهلهم استدامة فضله بالإنابة إلى طاعته ،
والمسارعة إلى الاقلاع عما يكرهه بالتوبة ، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون . يقول جل
جلاله : فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون يقول : فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة ، أتاهم
على غرة منهم بمجيئه ، وهم لا يدرون ، ولا يعلمون أنه يجيئهم ، بل هم بأنه آتيهم مكذبون
حتى يعاينوه ويروه . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض
ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ئ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا
بياتا وهم نائمون ئ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ئ
. . . القول في تأويل قوله تعالى :
أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) * .
يقول تعالى ذكره : أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته ،
استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش ، كما
استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم ، فإن مكر الله لا يأمنه ، يقول : لا يأمن
ذلك أن يكون استدراجا مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم
الخاسرون وهم الهالكون . القول في تأويل قوله تعالى : *
( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم
بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) * .
يقول : أو لم يبين للذين يستخلفون في الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها ،
فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم ، وعتوا عن أمر ربهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم
يقول : إن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ، فأخذناهم بذنوبهم ، وعجلنا لهم بأسنا
كما عجلناه لمن كان قبلهم ممن ورثوا عنه الأرض ، فأهلكناهم بذنوبهم . ونطبع على
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 13
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٣