فتأويل الكلام : وإن الله لسميع عليم في هذه الأحوال وحين زين لهم الشيطان
خروجهم إليكم أيها المؤمنون لحربكم وقتالكم ، وحسن ذلك لهم ، وحثهم عليكم وقال
لهم : لا غالب لكم اليوم من بني آدم ، فاطمئنوا وأبشروا ، وإني جار لكم من كنانة أن تأتيكم
من ورائكم فتغيركم أجيركم وأمنعكم منهم ، ولا تخافوهم ، واجعلوا جدكم وبأسكم على
محمد وأصحابه . فلما تراءت الفئتان يقول : فما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود
الشيطان من المشركين ، ونظر بعضهم إلى بعض نكص على عقبيه يقول : رجع
القهقري على قفاه هاربا ، يقال منه : نكص ينكص وينكص نكوصا ، ومنه قول زهير :
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا
وقال للمشركين إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون يعني : أنه يرى الملائكة
الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين ، والمشركون لا يرونهم إني أخاف عقاب الله وكذب
عدو الله والله شديد العقاب . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن
يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) * .
يقول تعالى ذكره : وإن الله لسميع عليم في هذه الأحوال ، وإذ يقول المنافقون . وكر
بقوله : إذ يقول المنافقون على قوله : إذ يريكهم الله في منامك قليلا . والذين في
قلوبهم مرض يعني : شك في الاسلام لم يصح يقينهم ، ولم تشرح بالايمان صدورهم .
غر هؤلاء دينهم يقول : غر هؤلاء الذين يقاتلون المشركين من أصحاب محمد ( ص ) من
أنفسهم دينهم ، وذلك الاسلام . وذكر أن الذين قالوا هذا القول كانوا نفرا ممن كان قد تكلم
بالاسلام من مشركي قريش ولم يستحكم الاسلام في قلوبهم . ذكر من قال ذلك :
12572 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر
في هذه الآية : إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم قال : كان
ناس من أهل مكة تكلموا بالاسلام ، فخرجوا مع المشركين يوم بدر ، فلما رأوا قلة
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 28
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٨