11150 - حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد : ومن
خفت موازينه قال : حسناته .
وقيل : فأولئك ومن في لفظ الواحد ، لان معناه الجمع ، ولو جاء موحدا كان
صوابا فصيحا . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ) * .
يقول تعالى ذكره : ولقد وطأنا لكم أيها الناس في الأرض ، وجعلناها لكم قرارا
تستقرون فيها ، ومهادا تمتهدونها ، وفراشا تفترشونها . وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون
بها أيام حياتكم ، من مطاعم ومشارب ، نعمة مني عليكم وإحسانا مني إليكم . قليلا ما
تشكرون يقول : وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري ،
واتخاذكم إلها سواي . والمعايش : جمع معيشة . واختلفت القراء في قراءتها ، فقرأ ذلك
عامة قراء الأمصار : معايش بغير همز ، وقرأه عبد الرحمن الأعرج : معائش بالهمز .
والصواب من القراءة في ذلك عندنا : معايش بغير همز ، لأنها مفاعل من قول
القائل : عشت تعيش ، فالميم فيها زائدة والياء في الحكم متحركة ، لان واحدها مفعلة
معيشة متحركة الياء ، نقلت حركة الياء منها إلى العين في واحدها فلما جمعت ردت
حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها . وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما
قبلهما وتحركتا في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال مفاعل ، وذلك مخالف
لما جاء من الجمع على مثال فعائل التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل ، فإن ما جاء من
الجمع على هذا المثال فالعرب تهمزه كقولهم : هذه مدائن وصحائف ونظائر ، لان مدائن
جمع مدينة ، والمدينة : فعيلة من قولهم : مدنت المدينة ، وكذلك صحائف جمع صحيفة ،
والصحيفة فعيلة من قولك : صحفت الصحيفة ، فالياء في واحدها زائدة ساكنة ، فإذا جمعت
همزت لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها ، وذلك أنها كانت في واحدها
ساكنة ، وهي في الجمع متحركة ، ولو جعلت مدينة مفعلة من دان يدين ، وجمعت على
مفاعل ، كان الفصيح ترك الهمز فيها وتحريك الياء . وربما همزت العرب جمع مفعلة في
ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها ، إذا جاءت على مفاعل
تشبيها منهم جمعها بجمع فعيلة ، كما تشبه مفعلا بفعيل ، فتقول : مسيل الماء ، من سال
يسيل ، ثم تجمعها جمع فعيل ، فتقول : هي أمسلة في الجمع تشبيها منهم لها بجمع بعير
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 165
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٦٥