والآخر الرفع عطفا على الكتاب ، كأنه قيل : المص كتاب أنزل إليك وذكرى للمؤمنين .
القول في تأويل قوله تعالى :
* ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ) * .
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين
يعبدون الأوثان والأصنام : اتبعوا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى ،
واعملوا بما أمركم به ربكم ، ولا تتبعوا شيئا من دونه يعني : شيئا غير ما أنزل إليكم
ربكم ، يقول : لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان ، فإنهم
يضلونكم ولا يهدونكم .
فإن قال قائل : وكيف قلت : معنى الكلام قل اتبعوا ، وليس في الكلام موجودا ذكر
القول ؟ قيل : إنه وإن لم يكن مذكورا صريحا ، فإن في الكلام دلالة عليه ، وذلك قوله :
فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ، ففي قوله : لتنذر به الامر بالانذار ، وفي الامر
بالانذار الامر بالقول لان الانذار قول . فكان معنى الكلام : أنذر القوم وقل لهم : اتبعوا ما
أنزل إليكم ، كان غير مدفوع . وقد كان بعض أهل العربية يقول قوله : اتبعوا خطاب
النبي ( ص ) ، ومعناه : كتاب أنزل إليك ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، اتبع ما أنزل إليك من
ربك . ويرى أن ذلك نظير قول الله : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن
إذ ابتدأ خطاب النبي ( ص ) ، ثم جعل الفعل للجميع ، إذ كان أمر الله نبيه بأمر أمرا منه لجميع
أمته ، كما يقال للرجل يفرد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته : أما
تتقون الله ؟ أما تستحيون من الله ؟ ونحو ذلك من الكلام . وذلك وإن كان وجها غير مدفوع ،
فالقول الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه .
وقوله : قليلا ما تذكرون يقول : قليلا ما تتعظون وتعتبرون ، فتراجعون الحق .
القول في تأويل قوله تعالى :
* ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ) * .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ص ) : حذر هؤلاء العابدين غيري والعادلين بي الآلهة
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 155
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٥٥