حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن
عكرمة ، قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض
ومن يتولهم منكم فإنه منهم قال : بعث رسول الله ( ص ) أبا لبابة بن عبد المنذر من الأوس ،
وهو من بني عمرو بن عوف ، فبعثه إلى قريظة حين نقضت العهد ، فلما أطاعوا له بالنزول
أشار إلى حلقه الذبح الذبح .
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا
أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الايمان بالله ورسوله ، وأخبر أنه من
اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين ، فإنه منهم في التحزب على الله
وعلى رسوله والمؤمنين ، وأن الله ورسوله منه بريئان . وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في
شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود ، ويجوز أن تكون
نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة ، ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرجلين
اللذين ذكر السدي أن أحدهما هم باللحاق بدهلك اليهودي والآخر بنصراني بالشأم ، ولم
يصح بواحد من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حجة فيسلم لصحته القول بأنه كما قيل . فإذ
كان ذلك كذلك فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عم ، ويجوز ما قاله أهل
التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق
كان يوالي يهود أو نصارى ، خوفا على نفسه من دوائر الدهر ، لان الآية التي بعد هذه تدل
على ذلك ، وذلك قوله : فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن
تصيبنا دائرة . . . الآية .
وأما قوله : بعضهم أولياء بعض فإنه عنى بذلك أن بعض اليهود أنصار بعضهم
على المؤمنين ، ويد واحدة على جميعهم ، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض على
من خالف دينهم وملتهم ، معرفا بذلك عباده المؤمنين أن من كان لهم أو لبعضهم وليا فإنما
هو وليهم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين ، كما اليهود والنصارى لهم حرب ،
فقال تعالى ذكره للمؤمنين : فكونوا أنتم أيضا بعضكم أولياء بعض ، ولليهودي والنصراني
حربا كما هم لكم حرب ، وبعضهم لبعض أولياء لان من والاهم فقد أظهر لأهل الايمان
الحرب ومنهم البراءة ، وأبان قطع ولايتهم .
القول في تأويل قوله تعالى : ومن يتولهم منكم فإنه منهم .
يعني تعالى ذكره بقوله : ومن يتولهم منكم فإنه منهم ومن يتول اليهود والنصارى
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 374
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٧٤