قال : ثني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي ، وعن أبي معاوية ، عن سعيد بن جبير ،
قالا : إن جاء تائبا لم يقتطع مالا ولم يسفك دما ترك ، فذلك الذي قال الله : إلا الذين تابوا
من قبل أن تقدروا عليهم يعني بذلك : أنه لم يسفك دما ولم يقتطع مالا .
وقال آخرون : بل عنى بالاستثناء في ذلك التائب من حربه الله ورسوله والسعي في
الأرض فسادا ، بعد لحاقه في حربه بدار الكفر فأما إذا كانت حرابته وحربه وهو مقيم في
دار الاسلام وداخل في غمار الأمة ، فليست توبته واضعة عنه شيئا من حدود الله ولا من
حقوق المسلمين والمعاهدين ، بل يؤخذ بذلك . ذكر من قال ذلك :
حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : أخبرني إسماعيل ،
عن هشام بن عروة : أنه أخبره أنهم سألوا عروة عمن تلصص في الاسلام فأصاب حدودا ثم
جاء تائبا ، فقال : لا تقبل توبته ، لو قبل ذلك منهم اجترأوا عليه وكان فسادا كبيرا ، ولكن لو
فر إلى العدو ثم جاء تائبا ، لم أر عليه عقوبة .
وقد روي عن عروة خلاف هذا القول ، وهو ما :
حدثني به علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : أخبرني من سمع هشام بن عروة ،
عن عروة قال : يقام عليه حد ما فر منه ، ولا يجوز لاحد فيه أمان يعني : الذي يصيب
حدا ثم يفر فيلحق الكفار ، ثم يجئ تائبا .
وقال آخرون : إن كانت حرابته وحربه في دار الاسلام ، وهو في غير منعة من فئة
يلجأ إليها ، ثم جاء تائبا قبل القدرة عليه ، فإن توبته لا تضع عنه شيئا من العقوبة ولا من
حقوق الناس . وإن كانت حرابته وحربه في دار الاسلام أو هو لاحق بدار الكفر ، غير أنه
في كل ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين ، ثم جاء تائبا قبل القدرة
عليه ، فإن توبته تضع عنه كل ما كان من أحداثه في أيام حرابته تلك ، إلا أن يكون أصاب
حدا أو أمر الرفقة بما فيه عقوبة أو غرم لمسلم أو معاهد ، وهو غير ملتجئ إلى فئة
تمنعه ، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك وهو كذلك ، ولا يضع ذلك عنه توبته . ذكر من قال
ذلك :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 305
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٠٥