تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
وأما الذي تأول ذلك أنه بمعنى : لا إثم عليه إلى عام قابل فلا وجه لتحديد ذلك بوقت ، وإسقاطه الاثم عن الحاج سنة مستقبلة ، دون آثامه السالفة ، لان الله جل ثناؤه لم يحصر ذلك على نفي إثم وقت مستقبل بظاهر التنزيل ، ولا على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ، بل دلالة ظاهر التنزيل تبين عن أن المتعجل في اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما في حاله التي هو بها دون غيرها من الأحوال ، والخبر عن الرسول ( ص ) يصرح بأنه بانقضاء حجه على ما أمر به خارج من ذنوبه كيوم ولدته أمه . ففي ذلك من دلالة ظاهر التنزيل ، وصريح قول الرسول ( ص ) دلالة واضحة على فساد قول من قال : معنى قوله : فلا إثم عليه فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه إلى عام قابل . فإن قال لنا قائل : ما الجالب اللام في قوله : لمن اتقى وما معناها ؟ قيل : الجالب لها معنى قوله : فلا إثم عليه لان في قوله : فلا إثم عليه معنى حططنا ذنوبه وكفرنا آثامه ، فكان في ذلك معنى : جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه ، فترك ذكر جعلنا تكفير الذنوب اكتفاء بدلالة قوله : فلا إثم عليه . وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة فقد أخبر عن أمر ، فقال : لمن اتقى أي هذا لمن اتقى . وأنكر بعضهم ذلك من قوله ، وزعم أن الصفة لا بد لها من شئ تتعلق به ، لأنها لا تقوم بنفسها ، ولكنها فيما زعم من صلة قول متروك ، فكان معنى الكلام عنده ما قلنا : ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ، وقام قوله : ومن تأخر فلا إثم عليه مقام القول . وزعم بعض أهل العربية أن موضع طرح الاثم في المتعجل ، فجعل في المتأخر ، وهو الذي أدى ولم يقصر ، مثل ما جعل على المقصر ، كما يقال في الكلام : إن تصدقت سرا فحسن ، وإن أظهرت فحسن . وهما مختلفان ، لان المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن ، وإن كان الاسرار أحسن وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحسن وصف إحداهما بالاثم وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الاثم عنهما ، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الاثم على ما تأوله قائلوا هذه المقالة . وفي إجماع الجميع على أنهما جميعا لو تركا النفر وأقاما بمنى لم يكونا آثمين ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول . وقال أيضا : فيه وجه آخر ، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يؤثم